لا تكتمل زيارتك إلى مدينة القاهرة ما لم تأخذك الطرقات إلى هناك.. إلى أحد أكثر احياء المدينة ازدحاما وخصوصية: إلى حي الحسين, حيث تتشابك الأسطورة بالتاريخ, وحيث الحقيقة تحت، طيات الثرى وبين مفاصل أحداث وحكايات لم ترو كلها, ولم يثبت صادقها من كاذبها حتى هذه اللحظة, الحسين.. يقولها عم عبدالمنعم سائق سفارتنا فى القاهرة كما يقولها الصحفى والفنان التشكيلى, مختلطة أو مسبوقة بجملة: هناك أكثر من قول فى مسألة رأس الحسين المدفون فى المسجد الذى يحمل الحى اسمه. وعندما تغلق بوابات المسجد بعد صلاة العشاء , فإن ذلك لا يعنى بأن الحى سيذهب الى فراشه باكرا بعد أن توضأ وصلى صلاته, ما يحدث هو أن منارات المسجد تشمخ من بعيد حيث توقف سيارتك قارئا فاتحة الكتاب وسائرا على قدميك إلى عمق الحى الذى سيعلن فيه الليل حالة الطوارئ رافعا عنوان السهر والضجيج وحياة مختلفة بكل التفاصيل لقادم من عمق صحراء الجزيرة. على مقاعد المقاهى الشعبية القديمة المنتشرة بجوار المسجد تجلس مطمئنا سعيدا تغمرك نشوة لا تدرى مصدرها, هى بعض من نغمات الحسين مسجدا, والحسين رمزا, والحسين معنى وتاريخا, اضافة لهذا الزحام فى كل شيء.. على مقهى الزهراء فى مواجهة الحسين تقدم لك أكواب الشاى على غير ما اعتدت فى مقاهى النخبة والزجاج الفاخر, وعلى يمينك يتبارى شبان صغار فى تقديم أطباق الكباب اللذيذ من محل (الدهان) الشهير. وعلى شمالك تدور الشيشة على الحاضرين, وتزداد حلقات الجالسين اتساعا وصخبا.. ليبدأ ليل الحسين طويلا متناغما وغائرا فى أعماق القلب. النساء هن أكثر من يتسكعن بين الرواد وهن الأكثر تعرضا للتعامل القاسى من قبل الشباب العاملين فى المقاهى والذين يقفون على الطريق يدعون المارة للجلوس إلى طاولات المقهى حيث (أحسن شاى) وأحسن شيشة و(أجدع قعدة يا بيه) أو (يا هانم) بحسب تعبيراتهم اللطيفة. فإذا جلست وطلبت كوب الشاى بعد أن تكون قد مشيت طويلا ومررت بواحد من أشهر مقاهى الحسين (قهوة الفيشاوى) فما عليك سوى أن تجلس متأملا, متدثرا بعبق المكان وتفاصيل البشر وتناقضات المشهد الذى يتقافز أمامك حيا يتدفق بقوة قائلا الكثير الكثير فى جمل مختصرة وفاقعة جدا. فى اليوم الذى انتهى فيه المؤتمر كانت لنا جلسة على أحد مقاهى الحسين, بعد قليل وصلت الطلبات, ومعها تهاطل حول المكان عدد لا حصر له من الباعة والشحاذين وأصحاب العاهات.. السيدة التى تبيع الجرائد باكرا (الاهرام بتاع بكرة) وبائعة المسابح والفوانيس وكتب تفاسير الاحلام لابن سيرين وبائعة الاكسسوارات و.. وتلك التى تصرخ عاليا فى وجه الجرسون الذى يدفعها خارجا. الجملة الصارخة التى قالها شاب من عمال المقهى موجها لى الحديث: ألستم من جماعة مؤتمر القمة (بتاع) المرأة, ولا أدرى كيف عرف ذلك؟ قلت له: نعم قال: ماذا عملتم لهؤلاء النسوة؟ أم أن هؤلاء ليسوا من فصيلة المرأة التى تتحدثون عنها؟! صمت قليلا فى نفسى: لا تعليق!!