بعد مضي حوالي تسعين عاما على وفاة الفنان الشهير هنري روسو ما زال يجري ومنذ عدة سنوات التكالب والتنافس على شراء لوحاته الفنية النادرة التي خطها في حياته, ولربما لو كان حيا الان لأصيب، بصدمة كبرى اذا شهد تلك الاسعار الخيالية التي تدفع لشراء لوحاته التي ما كان ثمنها يمكن ان يسد بها رمقه. ومنذ فترة كنت قد شاهدت في متحف (الجراند باليه) المعرض الشامل الذي اقيم لتكريم هنري روسو هذا الفنان الفرنسي الشهير, وقد ضم المتحف مجموعة كبيرة من لوحات للفنان عانى الفرنسيون كثيرا في تجميعها من هنا وهناك في كافة مدن العالم, فلوحة في لندن واخرى في براغ وثالثة في نيويورك ورابعة في طوكيو.. وبعض اللوحات تم استعادتها من متحف لينينجراد, فيما لوحات اخرى جلبت من زيورخ, اما ما تبقى من اللوحات فكانت ضمن ملكية بعض الاصدقاء القدامى للرسام الفرنسي, فعائلة بيكاسو مثلا قدمت ما تملكه من لوحات روسو لهذا المعرض. وحتى اقامة هذا المعرض كان لا يوجد متحف يضم اعمال هذا الفنان العالمي الذي ذاق الامرين من سخرية النقاد بلوحاته ومن عدم الاعتراف الجماهيري به, ولعل حياة روسو تمثل احدى القصص التي تتوافق كثيرا مع احداث المخيلة المضطهدة. بالرغم من انه كان يرسم الطبيعة بأصالة وتجديد وكان شديد الحساسية بالاشياء التي تحيطه, فتفنن في رسم الغابات والازهار والاعشاب والحيوانات والمخلوقات الانسانية.. واكثر ما يلفت الانتباه في لوحات روسو محبته العجيبة للطبيعة كما يحدث لنا جميعا بأن نسحر ونعجب اشد الاعجاب بمنظر طبيعي اذا كان منظرا للشروق او للغروب او منظرا لليلة قمرية او لغابة عجيبة الالوان والكثافة. لعل الكثيرين ممن قد حظوا برؤية تلك الصور التي تتغزل بالطبيعة حرفيا, وخصوصا لوحات الفترة الرومانتيكية بالذات حيث حدث ان تم الغزل بالطبيعة بشكل لا مثيل له من قبل, لعل الكثيرين قد ذهلوا عند رؤية اعمال هذا الفنان العبقري, وكأنها مرحلة مراهقة يمر بها تاريخ العقل البشري في نظرته الولهى لأمه الطبيعة. ذكرني تكريم هنري روسو بعد مماته, بما يحدث في جميع المهرجانات العربية بكافة مجالاتها الادبية والغنائية والفنية, اذ يحدث دائما تكريم وتقدير كبيرين لمن ابدعوا وقدموا خدمات جليلة لفنهم وادبهم, فيما كان يعاني هؤلاء من التجاهل والنسيان اثناء حياتهم, فأيهما افضل للمبدع تكريمه خلال حياته ام بعد مماته. محمد خليفة