كان قرارا قاسيا على النفس حين اعتذرنا عن سفرة إلى بغداد في الأيام القليلة الماضية, زاد من قسوته أن كانت الرحلة عن طريق دمشق وهما من أقرب عواصم الوطن العربي إلى قلب الإنسان, ولا يخفى عليك أن المدن كالبشر منها أو منهم من يهفو إليه القلب وتثور لذكره أو ذكراها ــ بعد اذنك ــ لواعج الشوق وسورات الحنين, تزور المدينة مرة, تلتقي بالفرد البشري مرة, فلا تنساها ولا تنساه.. تلك كائنات تحفر بين جوانحك أسماءها بحروف تبقى وذكرى لا تبلى مع مرور الزمن, وكم من مكان يتردد عليه المرء, وكم من إنسان يراه المرء في كل يوم فلا يكاد يذكر من هذا أو ذاك شيئا, وكلما رآه أو زاره أو عاينه فكأنما يفعل ذلك للمرة الأولى بعد هذه التوطئة, الفذلكة الفلسفية, كما لا يخفى عليك, نعود إلى قسوة قرارنا الذي اتخذناه بمحض إرادتنا بالتخلف عن رحلة ضمت كوكبة من رفاق القلم والفكر والسياسة والفريق والطريق إلى عاصمة العراق.. بالتحديد إلى ملتقى مجمعى أقيم احتفالا بذكرى تأسيس بيت الحكمة ــ الاكاديمية العلمية الجليلة التي عنى بإنشائها الخليفة العباسي النابه المثقف عبد الله المأمون. ونحسب ان حكاية, محض ارادتنا في اتخاذ قرارنا امر تعوزه الدقة فالذي حدث ــ ولعله لايزال حادثا في لحظة كتابة هذه السطور ــ اننا مقبلون وعليك خير على شهر رمضان الفضيل من هذا العام, ورئاسة التحرير في (البيان) الغراء لم تقصر والشهادة لله ــ في تنبيه كاتبيها ونحن من رهطهم بطبيعة الحال إلى أن يستعدوا لاستقبال رمضان ــ بالتحديد استقبال الملحق اليومي المعتاد الذي تصدره الجريدة مع انبلاج صباح الرمضانات الثلاثين أو التسعة والعشرين حسب ما يتراءى لأهل الرؤية والتحري والاستطلاع, ولقد تم التنبيه المذكور أعلاه منذ أكثر من شهرين وقد أبلغناه (بالألف المضمومة) إذ كنا قابعين لا نزال في الاصقاع الامريكية.. وتابع القوم ابلاغ التنبيه عدة مرات على مدى أسابيع سبعة أمضيناها بين مدينتين عزيزتين بدورهما هما القاهرة ودبي, وما لبث أن تحول التنبيه إلى إنذار ولكلما اقترب موعد الهلال الرمضاني المرتقب يكاد الانذار يكتسب لهجة تتراوح بين اللوم إلى نوع فريد من التثريب أو التقريع, وهو فريد لأنه يتم عبر مراسلات ظاهرها المودة ومجرد التذكير وباطنها الذي نعرفه نوع من الوعيد الذي لا يؤتي ثمارا إلا مع أمثالنا من الأصدقاء الحادبين والرفاق الشغوفين والمحبين. وثمار الوعد.. أو الوعيد تجسدت في عكوفنا منذ النصف الأخير من شعبان الفضيل على المراجع والأسانيد, وبين الحوليات والرسائل والمذكرات.. بأكثر من لغة.. لكي نعد الوجبة التي نحب أن نشارك بها على مائدة رمضان الجميل من كل عام.. ومن أجل هذا قررنا أن نعتزل الناس وأن تصبح علاقاتنا العائلية وأواصرنا الاجتماعية مرفوعة من الخدمة مؤقتا كما يقول عمال الهواتف القاهرية في معرض التبرير لسكوت الهاتف العزيز عن الكلام المباح دون أن يصيح الديك الشهرزادي المعروف, وكان مثلنا في ذلك مثل طالب الثانوية العامة في مصر المحروسة وربما في غيرها من الأمصار اليعربية المحروسة أيضا يحمل الطالب المجاهد نفسه حملا وكرها على العزلة كي يستعد لامتحان الفصل المصيري في آخر العام.. لا مكالمات ولا شمات هوا كما يقول اللبنانيون ولا زيارات النوادي ولا جلسات اللدات والخلان.. ومن طالبي الثانوية العزيزة من يتوكل على الله ويحلق شعر رأسه زيرو كما يقول مصطلح الحلاقين.. بمعنى أن تجتث خصلات الأناقة من شأفة جذورها بشفرة الموس فيصبح الطالب المسكين أشبه برهبان البوذيين وهو لا يعتكف من ثم في معابد التبت بل يغلق على نفسه أبواب غرفة لا تطيق الوالدة ولا حتى الخادمة الاطلالة عليها.. كي يذاكر دروسه المتراكمة بغير مذاكرة على انصرام العام كله.. ولا غرو.. ففي مجموع الثانوية الرهيب فرق الصراط المستقيم بين كلية الطب أو هندسة الحاسوب وبين مدارس الطبيخ وتعليم لغة البراغيث كما قال (الكوميديان) نجيب الريحاني في يوم من الأيام. لم نحلق شعر الرأس ولسنا بحاجة إلى ذلك فهو من حيث الفئة العمرية محلوق بشكل طبيعى.. أو بالادق منحول بفعل شفرات الزمن.. ولكن اعتكفنا كما قلنا لك كى ننجز شيئا وأوراق الروزنامة القمرية تتساقط متسارعة الخطى من شعبان إلى رمضان لا تدرى.. لم ظللنا فى حال من التسويف والتأجيل حتى لا نقول الكسل والتراخى والقصور إلى أن أصبح لا محيص عن العكوف والعزلة والحبس الإنفرادي عن إرادة أو اختيار؟ تستطيع القول انها عادة تتردد فى تواتر معهود بين جموع الفئة التى يصدق عليها وصف (المثقفين) يكلفون الواحد منهم بدراسة يعدها أو ورقة بحثية يكتبها وأمامه مهلة زمنية ما أوسع شقتها بحيث يصول فى اطارها ويجول دون توتر ينتابه, ولا حالة طوارئ يعلنها, ناهيك عن جلسة انفرادية يرتضيها.. وإذا بصاحبنا كاتبا كان أو مفكرا أو باحثا يراوح مكانه بين التسويف والتأجيل إلى أن يحل الموعد أو يكاد.. وساعتها يعرف أن الله حق ومن ثم يغرق نفسه ومواهبه فى أتون الحشد والتعبئة لزوم الوفاء بالوعد وانجاز المطلوب. وقد لا يسلم من مثل هذه الخصلة أهل الفن والإبداع.. كان المطرب عبدالحليم حافظ قد تعود على تقديم أنشودة سنوية فى عيد 23 يوليو الوطنى فى مصر.. وكان الناس ينتظرون أغنيته من عام إلى عام. إذ يفتن فى ابداعها شعرا شعبيا وفصيحا فى آن الفنان صلاح جاهين وفى ابداعها معمارا موسيقيا أصيلا ومحدثا فى آن الفنان كمال الطويل وكلاهما الكلمة والنغم يقدمان هدية إلى ملايين المستمعين على نبرات صوت عبدالحليم على ايقاع رقة نبراته وعمق احساسه وفى هذا الاطار لا يزال عمود من الغناء العربى المعاصر يذكر أناشيد من قبيل (حكاية شعب السد العالى).. أو (يا أهلا بالمعارك) أو (صورة) أو (بالأحضان يا بلدنا) المشكلة أن كان أول يوليو من كل عام يهل على الناس وإذا بالمنظومة الاعلامية التى كانت تساند عبدالحليم تنشر صور المطرب وفرقته وهم مشمرو السواعد مرهفو النظرات من فرط السهر لزوم البروفات استعدادا للنشيد الجديد.. ويومها علق واحد من الصحفيين على المسألة متسائلا: لم كل هذا السهر والارهاق هل يتصور عبدالحليم وفرقته أن 23 يوليو جاء مبكرا عن موعده هذه العام؟ هل تأتى ذكرى الثورة مفاجأة بغير مقدمات؟ وعندنا أن الباحث أو الكاتب أو الفنان يظل مهموما على امتداد فترة طويلة بموضوع العمل الفني الموتيف كما يقولون ولكنه لا يشرع فى التنفيذ الا إذا وصل على مستوى توقد الذهن وقدح القريحة واستنفار الابداع واشتعال الوجدان إلى حالة من التوتر الابداعى, وهنا يشمر عن ساعد الجد كى يتم له ما يريد. نقول قولنا هذا ونحن نعلم أن العم الكبير نجيب محفوظ كان يكتب روائعه فى ساعات معلومة ومواقيت محددة كل صباح مع فنجان القهوة المضبوط وأمامه ساعته ذات الماركة القديمة وجلدة الرسغ العتيقة.. يجلس الى طاولة متواضعة ويبدع, وكأنما كان يدون في دفاتر الديوان مواعيد الحضور والانصراف ونعرف أن كاتب فرنسا العظيم انورريه دى بلزاك كان يفيق من اغفاءة القيلولة على دقات دائنين فوق الباب.. فينهض الى مكتبه يواصل تدوين, بل هو ابداع فصل جديد فى رواية انجزها بالأمس كى ينشر مسلسلا ويؤتى بعض فرنكات جديدة يسكت بها شكوى الدائنين. ولكننا نعرف أيضا أن زميلنا الراحل الكبير محمد عروق كان يكلف حسب الجدول الموضوع بكتابة تعليق اذاعة صوت العرب السياسى على نشرة أخبار الثامنة مساء.. وسط الأحداث المصيرية التى كانت تشهدها فترة الستينيات وقبل أن تدق الساعة الثامنة كان مذيع النشرة يسأل فى براءة: * اين التعليق؟ ــ مع الاستاذ عروق * ماذا يصنع به؟ ــ مازال يكتبه. ومع توالى الأيام وتراكم الخبرة.. لم يعد المذيع يطرح السؤال عن التعليق, لا فى براءة ولا فى غيرها.. كان يسلم أمره إلى مولاه ويعلن على الملايين من أمة العرب أن النشرة سيعقبها التعليق للأستاذ محمد عروق.. وطبعا كان يأتيه التعليق لاهثا.. طازجا ساخن المقاطع والحروف قبيل موعده ببضع ثوان. وها هو شعبان يودع الدنيا ورمضان يستعد للقدوم.. بل أن له تباشير وارهاصات أو مقدمات يطلق عليها أهلنا فى مصر وصفا رقيقا وحفيا هو: روايح رمضان, وفى اطار هذه الروايح نكتب هذه الكلمات.. وفى اطارها أيضا كان انصياعنا إلى الابلاغ فالتنبيه فالتثريب فالوعيد من جانب قيادة (البيان) إلينا وإلى جمهرة كاتبى الملحق الرمضانى الكرام. ولنا الله, إذ ضاعت منا سفرة كم كانت محببة رغم وعثائها إلى بغداد عن طريق دمشق وسلوتنا أن نكسب قدوم رمضان والتواصل من جديد مع قارئ نرجو أن يطالع الحروف ويعرف أنها مكتوبة بمنطق العكوف المعزول ومنطق الحرمان من زيارة إلى دمشق وبغداد.