إلى اللقاء _ صديقي (السلحفائي) _ بقلم: هاني جابر

الخلود وطول العمر, والصراع الأبدي مع فناء الجسد مسألة طالما أرّقت البشرية منذ أن هبط آدم عليه السلام على هذه الأرض. ويبدو ذلك واضحاً من طقوس القرابين بكل أشكالها ومرورا بالفلسفة والشعر إلى ما توصل إليه علماء هذا العصر من قدرة فائقة على كشف الخارطة الجينية للإنسان, والتي من شأنها أن تفتح آفاقا في مجال التحكم بمستوى صحة البشر وبالتالي معدلات الحياة والموت. ورغم كل ذلك فإن صديقي الفيلسوف الكسول في نظرته نحو الخلود تجاوز التاريخ بكل تحولاته فلسفة وشعرا وآخر ما توصل إليه العلماء, حيث طرح منظومته الخاصة من أجل حياة أطول بجهد أقل وبكسل أكثر. وللأسف انني وجدت نفسي منساقا وراءه ومصغيا بشغف الحياة إلى منظومته (الخالدة) لعل فيها جانبا من الحقيقة. وقد بدأ صديقي فكرته عن الخلود بخبر علمي يرى ان المشي هو الرياضة المثلى للوقاية من الأمراض وابقاء صحة الجسم (عال العال), وليس كما هو سائد بأن رياضة الركض هي مصدر الصحة وطول العمر. وحينما لاحظ الدهشة على وجهي وتأكيدا لمقولته باغتني صديقي الكسول ليسألني, بطريقة لا تخلو من دهاء عن متوسط أعمار بعض الكائنات مقارنا ذلك بسرعة حركتها, فسألني عن الحصان, هذا الحيوان الذي يتقد قوة ونشاطا, ليسارع ــ على غير عادته ـ ويجيب بعشرين عاما فقط. وما زال صديقي ببطئه المعهود يختار لي العديد من الكائنات ذات النشاط المتقد الحركة ولكنها رغم ذلك من ذوات الأعمار القصيرة. وأذكر منها الصقور والكلاب والقطط بأعمار متوسطها لا يتجاوز العشرين عاما. وحيث انني من الذين أقلقهم الموت مع كل عيد ميلاد, وجدتني منساقا له على الرغم من بطئه الممل. فاستكمل بأمثلته ليثبت التناسب العكسي ما بين سرعة الحركة وطول العمر. فقال إن السلحفاة والتي يضرب فيها البطء مثلا قد يعمر بعضها إلى أكثر من 250 عاما, وكذلك الفيل على ضخامته فإنه قد يتجاوز 120 عاما, ومقارنة مع الصقر أشار لي صديقي بطير الببغاء بطيء الحركة وكيف قد يصل إلى مئة عام, واستدل صديقي (السلحفائي) بنظرية مفادها ان الأشياء تخسر من عمرها بقدر ما يتم استهلاكها. وسواء اتفقنا مع (السلحفائي) أو اختلفنا حول نظرية الموت والخلود التي أتحفنا بها, إلا ان الخلود الحقيقي لا يتأتى بترياق الكسل والخمول وإنما باستثمار دقائق هذا العمر على قصره وطوله, لان الخلود الحقيقي ليس بإطالة العمر وإنما بالانجاز الحقيقي ابتداء بالذات والأسرة والوطن وانتهاء بالبشرية. ونخلص بالقول ان المبدع والمخترع وغيرهما من الذين عملوا بدأب هم الخالدون وليس السلحفائيين الذين ينساهم التاريخ في اللحظة التي يخطفهم الموت فيها دون احترام, ولن يخلدوا إلا في كسلهم, وما تبقى من أثرهم سيذهب أدراج الرياح هباء وغياباً. hani@albayan.co.ae

طباعة Email
تعليقات

تعليقات