لست خبيرا في الشئون الدولية, ولا أنا بالمختص في النظم السياسية كي أزعم أنني دارس للدستور الأمريكي متعمق في نصوصه.. وبداية أقر بأنني مواطن عادي من العالم الثالث يتابع بشيء من الاهتمام يتوهج أحيانا ويخبو أحيانا أخرى العملية الانتخابية في الولايات المتحدة الأمريكية, تدفعه أفكار ــ ربما لا تكون صحيحة ــ للتحمس لمرشح من مرشحي الحزبين المحتكرين لقمة السلطة, ثم ما يلبث أن يغير رأيه فيتمنى فوز المرشح المنافس ليعود مرة ثالثة متمنيا خسارة الاثنين معا, تلك الأمنية المستحيلة التي تنم عن قهر أو جهل أو يأس. ومع ذلك فإنني أعترف بأن انتخابات هذا العام كانت أكثر أحداث الأسابيع الأخيرة إثارة وأجدرها بالمتابعة رغم ما شهدته الساحة من مؤتمرات قمة وحوادث خطف طائرات وحلقات جديدة من مسلسل كشف الفساد في شرق آسيا.. ولذلك فقد كانت التسلية الأولى لي ولكثيرين غيري ــ كما أعتقد ــ هذه المعركة المحتدمة بين مرشحي الرئاسة, وعملية الشد والجذب التي نتابع أحداثها بشيء من الاستغراب وكثير من الشماتة, نحن الذين كنا قبل اليوم السابع من شهرنا هذا من عامنا هذا مبهورين بسيدة النظام العالمي الجديد, أو قل مخدوعين بأمور كثيرة كنا نعتقد أننا محرومون منها, وأمور أخرى كنا نعتقد اننا متفردون بها, فإذا بالأمور تتداخل, وإذا بتلك المساحة أو تلك الهوة الواسعة السحيقة بين عالمهم الأول وعالمنا الثالث تتقلص وتتقلص وتتقلص, وإذا بنا نذوب كقالب زبدة هولندية في العالم الأول, وإذا بالعالم الأول يفتح لنا ذراعيه مرحبا بتغلغلنا في خلاياه حاملين معنا إرث سنوات من التخلف طالما وصمتنا بالعار والجهل, وإذا بتلك الفيروسات التي اعتقدنا ردحا من الزمن أنها لا تنمو وتتكاثر إلا في بيئتنا ومجتمعاتنا تخرج ألسنتها للشعب الأكثر تقدما ورقيا في العالم لتقول له إنها ليست حكرا على أحد, وإن العالم الأول ليس محصنا ضدها ذاك التحصين الكافي.. فما الذي حدث في ذلك اليوم المشهود والأيام التي تلته؟ كانت أنظار العالم كلها معلقة بسباق البيت الأبيض.. وكانت أنفاس الشعب الأمريكي وشعوب العالم محبوسة بانتظار الفارس الذي سيمتطي صهوة الفيل أو الحمار (شعاري الحزبين المتنافسين) ليقود العالم سنوات أربع مقبلة لا نعلم ما الله فاعل بنا فيها على يديه عندما أعلنت محطات التلفزيون في السابعة والنصف من صباح الأربعاء الثامن من شهر نوفمبر الجاري فوز المرشح الجمهوري جورج دبليو بوش حاكم ولاية تكساس رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية لتنطلق أفراح الجمهوريين في أنحاء القارة الأمريكية معلنة انتهاء ثماني سنوات من احتلال الديمقراطيين للبيت الأبيض, ولكنها ــ لدهشة العالم أجمع ــ كانت فرحة لم تدم أكثر من ساعة أعلنت بعدها ولاية فلوريدا الغاء إعلان فوز المرشح الجمهوري وعاد المرشح الديمقراطي آل جور ليسحب تهنئته بفوز بوش مشككا بالنتائج التي أعلنتها وسائل الاعلام, وليقدم النتائج بعد قرار اعادة فرز أصوات فلوريدا. وإذا كان الإحراج الذي تعرض له جور ليس كبيرا عندما سحب تهنئته باعتباره الجواد المنافس ولا مانع لديه من الذهاب إلى أبعد من سحب التهنئة في سبيل الوصول إلى كرسي الرئاسة, فإن الإحراج الذي تعرض له كثير من زعماء الدول في العالم كان لا شك أكبر, الأمر الذي أدى في بعض الحالات إلى كسر قواعد البروتوكول المتعارف عليها إذ تعين على الدول التي سارعت إلى تقديم التهنئة لبوش أن تقوم بسحبها أو (التطنيش) عنها وتجاهلها بانتظار حسم الأمور واتضاح ملامح النزيل المقبل للبيت الأبيض. وهكذا وجد الرئيس الألماني (جوهانز راو) نفسه في موقف لا يحسد عليه بعدما بادر إلى تهنئة بوش واصفا إياه بأنه صديق لألمانيا وانه يتطلع إلى مزيد من التعاون بين بلديهما. وخلال الدقائق التي أعقبت اعلان الغاء الفوز كان الرئيس الألماني يبحث عن مخرج لتفادي الإحراج الناجم عن هذه التهنئة, ولم يجد المتحدث باسمه تعليقا مناسبا سوى القول: (ماذا عسانا أن نفعل؟ إنه موقف معقد). وكذلك كان حال الرئيس الفرنسي (جاك شيراك) الذي امتدح صفات الحوار والقدرة على الاستماع التي يتحلى بها حاكم تكساس جورج بوش الابن, معربا عن رغبته في تقوية العلاقات التي تربط جانبي الأطلسي. كما وجدت حكومات كل من اليابان والصين وكوريا الجنوبية ونيوزيلندا وجنوب افريقيا وأنحاء أخرى من العالم نفسها في الموقت نفسه, ولذلك فقد آثرت الصمت والانتظار حتى ينجلي غبار المعركة وتتأكد تماما من شهادة ميلاد الرئيس الجديد. وحيث إننا في العالم الثالث غير معنيين بالاحراجات التي تعرض لها رؤساء العالم الأول ومن جرى جريهم, بل ربما شفت هذه المطبات شيئا مما تجد أنفسنا منهم فإن ما يعنينا هو ما جرى على مسرح الأحداث هناك عندما احتدم الصراع على النتائج وطالب الديمقراطيون بفرز الأصوات يدويا, الأمر الذي جعلنا نحن أبناء العالم الثالث نتيه فخرا وزهوا بأساليبنا البدائية التي طالما وصفها الغرب بالتخلف, ونخرج ألسنتنا للتكنولوجيا التي كثيرا ما تباهوا بها علينا ووصمونا بالأمية لجهلنا بالتعامل معها أو رفضنا لذلك سيان. وهكذا نحّى الاخوة في ولاية فلوريدا أجهزة الكمبيوتر جانبا وشمروا عن سواعدهم ليغوصوا بين بطاقات الانتخابات يعدونها بطاقة بطاقة لنتابع معهم مسلسلا كوميديا من نوع آخر كانت أبرز مشاهده ان مقاطعة بالم بيتش وحدها أعادت الفرز اليدوي لنحو نصف مليون صوت أربع مرات حتى يوم الجمعة الماضي, وظل منظمو حملة جور الانتخابية يطالبون المرة تلو الأخرى باعادة فرز الأصوات يدويا بينما يسارع الطاقم القانوني للمرشح الديمقراطي برفع قضية تلو الأخرى أمام المحاكم ليبلغ عددها حتى ساعة كتابة هذا المقال اثنتي عشرة قضية مقابل قضية واحدة رفعها جناح بوش لوقف عملية اعادة الفرز يدويا مؤكدا ان الاستراتيجية التي يتبناها جناح جور هي محاولة المماطلة والتسويف حتى يحصل على النتيجة النهائية التي تحلو له. وأيًّا كان الفائز في هذه المعركة التي اتسمت بالطرافة ومنحتنا أياما من الفرجة والتسلي بما يحدث على الجانب الغربي من الكرة الأرضية فإننا مساهمة منا في حل الاشكالات العويصة التي أفرزتها هذه الأزمة الطارئة, وباعتبارنا خير من يتعامل بقوانين الطوارئ ومعها, نتقدم للاخوة في أمريكا حكومة وشعبا معلنين تعاطفنا معهم لما آلت إليه الديمقراطية لديهم, ونبدي لهم استعدادنا التام لتزويدهم بخبرتنا في مجال الانتخابات, ونقترح عليهم مبدئيا المبادرة إلى اتخاذ الخطوات التالية درءًا للمفاسد وحفاظا على الوحدة الوطنية: أولا: التخلي عن فكرة اجراء الانتخابات كل أربع سنوات تفاديا للوقوع في اشكالات من هذا النوع وهم يبدأون الألفية الثالثة على الأقل, واعتماد نظام الزعيم الأوحد مدى الحياة. ثانيا: التخلي عن شرط أن يزيد عمر المترشحين لمنصب الرئاسة على خمسة وثلاثين عاما وترك شرط السن مفتوحا والتعامل مع كل حالة على حدة احتياطا لما يمكن أن تخبئه لهم الأيام. ثالثا: الغاء شرط أن يكون المرشح مواطنا أمريكيا من مواليد الولايات المتحدة لافساح المجال لذوي الميول الأمريكية من غير مواليد القطر الأمريكي الذين ربما كانوا أكثر اخلاصا وحماسا لتحقيق مصالح أمريكا وأصدقائها وحلفائها. رابعاً: توفيرا للنفقات وتوحيدا لجهود جمع التبرعات نقترح دمج الحزبين المتنافسين في حزب واحد ذي قاعدة جماهيرية عريضة كما هو الحال في عالمنا, وتغيير الشعار بحيث يتم الابتعاد عن الحيوانات حميرا كانت أو فيلة رأفة بها وتحاشيا لتفسيرات المغرضين الذين لا هم لهم سوى الغمز واللمز وتثبيط الهمم. خامسا: استبدال صناديق الاقتراع التي يتم استخدامها حاليا في الولايات المتحدة وتغييرها بصناديق من العالم الثالث, وذلك لانه ثبت بالتجربة ان النتائج التي تحققها صناديقنا مضمونة مئة بالمئة أو تسعة وتسعين وتسعة أعشار بالمئة على الأقل, ولا داعي لاعادة فرزها الكترونيا أو يدويا, كما انه بالامكان معرفة نتائج الاقتراع فيها قبل بدء العملية الانتخابية وكفى الله المؤمنين شر القتال. سادسا: رفع قضايا الانتخابات أمام محاكم العالم الثالث, أو انتداب هذه المحاكم لهم في اطار تبادل الخبرات. هذه بعض الاقتراحات التي نقدمها عربون صداقة ومودة, وإذا ما أخفقت في حل الاشكال فلدينا اقتراحات أخرى, منها مثلا أن نقوم بتصدير ناخبين من العالم الثالث لهم يصوت الواحد منهم في الاستفتاء أو الانتخاب بـ (لا) فيدرك المسئولون عن العملية انه قد ارتكب خطأ غير مقصود ويقومون بتصحيح خطئه.. كما ان بالامكان أيضا تصدير أولئك المسئولين أنفسهم إذا لزم الأمر.. وفي الجعبة اقتراحات أخرى ليس من الحكمة نشرها على الملأ.. وما خاب من استشار.