عندما قامت ثورة 23 يوليو 1952 في مصر, رأت اسرائيل فيها بداية يمكن أن تكون جديدة و منطوية على أمل التصالح أو السلام أو التعايش معها, ولم يمض على قيام الثورة المصرية 25 يوما حتى وقف بن جوريون في الكنيست الصهيوني يخطب مهنئا الضباط الأحرار في مصر, ومعلنا أنه (ليست هناك أي أسباب تدعو لنشوب عراك بين مصر واسرائيل). وبعد هذه الخطبة بأربعة أيام قام صمويل ديتون السكرتير الأول بسفارة اسرائيل في باريس بزيارة الى مسكن على شوقي القائم وقتها بأعمال السفارة المصرية وقدم اليه اقتراحا بعقد اجتماع سرى بين مصر واسرائيل, وظل الاسرائيليون يعللون أنفسهم بأمنيات التسوية أو الصلح العذاب مع القاهرة, ويتابعون خطوات الرئيس محمد نجيب بوصفه القائد الرمز للنظام الثوري الجديد في مصر, ولكنهم لم يتلقوا ردا على رسائلهم من مجلس الثورة المصرية بل بوغتوا حين انعقدت دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ سبتمبر 1952 فاذا بمندوبي مصر وممثليها يصعدون هجومهم على دولة العدوان والاغتصاب الاقليمي اسرائيل. هنالك بدأت شكوك اليأس تداخل نفوس المسئولين الاسرائيليين مما دعا بن جوريون الى أن يكتب عن الأولويات المهمة في مذكراته فيقول: (أولا وقبل كل شئ, علينا أن نهتم بتلبية احتياجات اسرائيل بصرف النظر عن تحسين أو عدم تحسين علاقتنا مع العرب. والعامل الثاني في وجودنا هو يهود أمريكا وعلاقاتهم معنا وعلاقاتنا نحن مع الدولة الأمريكية التي يعيشون في كنفها أما الأولوية الثالثة فهي السلام مع العرب). قصة الاتصالات السرية فى هذا الاطار بالذات يحرص مؤلف كتابنا على متابعة قصة الاتصالات أو المراسلات التي تردد أنها دارت وتبودلت بين موسى شاريت نائب بن جوريون وكان يمثل جناح السياسة والدبلوماسية بين قادة المشروع الصهيوني, وبين البكباشي جمال عبدالناصر نائب رئيس مجلس الثورة في مصر (1953 ــ 1954) يحيل المؤلف الى مصادر شتى يستخرج منها مؤشرات تفيد بأن الجانب المصري كان يمثله عبدالرحمن صادق بين سفارة مصر في باريس والجانب الاسرائيلي كان يمثله صمويل ديتون من سفارة اسرائيل في العاصمة الفرنسية. يلاحظ المؤلف التحفظ الشديد الذي أبداه الجانب المصري.. على الرغم من رغبته كما اتضح من ردود عبدالناصر في أن تقدم اسرائيل مساعداتها لحمل أمريكا على الاستجابة لطلبات مصر الثورة للحصول على أسلحة متقدمة, أو للضغط على بريطانيا في قضية جلائها عن قناة السويس بعد احتلالها لمصر لأكثر من 70 عاما. لكن الجانب المصري لم يقدم في المقابل شيئا غير وعود غامضة بالنظر في قضية علاقات الطرفين في فترات لاحقة, الأمر الذي أسفر عن غضب جامح أصاب بن جوريون الذي بعث بخطاب شديد اللهجة الى مساعده شاريت ينعي فيه عليه تورطه في الأمر ويلخص فيه بن جوريون موقف القاهرة بأسلوبه الخاص, على النحو التالي: - نحن المصريين سوف نواصل هجومنا على اسرائيل جنبا الى جنب مع سائر الشعوب العربية وعلى اسرائيل من جانبها ان تبرهن على حسن نواياها بأن تعبئ نفوذها لمصلحتنا لدى أمريكا وأن تشتري قطننا. وهكذا بعث موسى شاريت برسالة الى عبدالناصر على نحو ما يرويه كتابنا (ص81) يقول فيها أن اسرائيل ليست على استعداد لتلقي وعود جوفاء وأن مصر سوف يحكم عليها من خلال أفعالها لا أقوالها. وأن المعيار الذي يفيد بحسن نية مصر هو أولا رفع مستوى الاتصالات بين الطرفين وهو ثانيا السماح بمرور سفن اسرائيل في قناة السويس وهو أخيرا التقدم صوب تسوية تتم بين الطرفين. والذي حدث, يؤكد مؤلفنا, أن هذه الرسالة مضت بغير جواب من القاهرة, وحين جاءت نهاية عام 1953 كانت آمال اسرائيل في أي تفاهم مع عبدالناصر قد تبددت تماما. وعلى الرغم مما يوضحه المؤلف من تباين يصل حد التناقض بين شخصية موسى شاريت السياسي الراغب في التفاهم وبين شخصية بن جوريون القيادي المتطلع دوما الى السيطرة والهيمنة, إلا أن الرجلين كانا متوحدين في النظرة الى أي تسوية مع العرب تسوية لا يكون من شأنها اعادة لاجئي فلسطين الى الديار التي طردوا منها أو التنازل عن مساحات واسعة من الأرض التي جرى اغتصابها أو احتلالها كثمن تدفعه اسرائيل لقاء تسوية مع العرب. وكل ما هنالك أن بن جوريو كان يعتمد نهج المواجهة وكان شاريت يتبع نهج الاعتدال والصبر الطويل. فلسفة الدم ثم دخل الى مسرح السياسة الاسرائيلية موشي دايان الذي يصفه مؤلف كتابنا وهو مواطن اسرائيل أصلا كما ألمحنا من قبل فيقول: (كان دايان رجلا يتسم بشخصية قوية وسيطرة لا يكاد يتورع عن أي شئ ويفتقر الى أي وازع من الأخلاق, ومن ثم لم يكن ليتورع عن استخدام القوة حتى ضد المدنيين (العُزّل) وقد دافع دايان عن سياسته (في ترويع بل وابادة) القرى الفلسطينية في اجتماع لأمانة حزب الماباى عقد في يونيو عام 1950 وقال فيه: كانت تلك هي الطريقة الوحيدة التي أثبتت أنها (فعالة) دون أن يكون لها ما يبررها لا منطقيا ولا أخلاقيا.. لهذا, يضيف المؤلف, جاء تعيين موشى دايان رئيسا لأركان الحرب في اسرائيل كعلامة فارقة على طريق تطور المذهب العسكري في الكيان الصهيوني, ذلك الذي يقوم على (غارات الهجوم الثأرية) التي ما لبثت أن أصبحت نهجا معتمدا و سلوكا نمطيا متكررا وإحدى الركائز الأساسية لأمن اسرائيل ومن آيات هذا التحول في الاتجاه العسكري ما حدث كما يؤكد المؤلف في مذبحة (قبيه ودير ياسين) وقد أوضح دايان نفسه نظرته الى هذا الجانب (الذي نسميه من وجهة نظرنا بالجانب الارهابي) في سياسة اسرائيل العسكرية حين برر المذابح الجماعية التي وقع ضحيتها سكان مدنيون من عرب فلسطين حين قال: (لم نكن لنستطيع حراسة كل ماسورة مياه حتى لا يتم تفجيرها ولا كل شجرة حتى لا يتم اجتثاثها, ولا كان بوسعنا أن نحول دون اغتيال عامل (فلسطيني) في بيارة ولا قتل عائلة في مخادعها. لكن كان باستطاعتنا أن نتقاضى ثمنا عن دمائنا, وكان الثمن باهظا وفادحا يدفعه السكان العرب والجيش العربي والحكومات العربية). ويعلق المؤلف على هذه السياسة أو هذا المذهب العسكري الذي كرسه موشى دايان طيلة السنوات الأربع من توليه رئاسة أركان جيش الدفاع الصهيوني فيقول: كان دايان شأنه في ذلك شأن الارهابي الصهيوني الأكبر جابوتنسكي يريد أن ينشئ جدارا من حديد يتمثل في القوة العسكرية اليهودية, وكان ينبغي استخدام هذا الجدار لاظهار أن العرب هم أدنى من حيث القوة العسكرية, وكان يتصور كما سبق وتصور جابوتنسكي أيضا أن هذ ا الجدار الحديدي سوف يؤدي في نهاية المطاف الى اخماد آمال العرب في أن يحوزوا يوما من الأيام قصب السبق في صراعهم ضد اليهود. ويرى المؤلف أيضا أن دايان كان أقرب الى فكر ومنهج بن جوريون فيما يلي: ــ ان العرب سيظلون يشكلون تهديدا لأمن وكيان اسرائيل. ــ أن الغاية تبرر دوما الوسيلة. ــ أن القوة العسكرية, هي الوسيلة الوحيدة الفعالة التي تضمن استمرار اسرائيل على قيد الحياة. وفي هذا الاطار واصلت اسرائيل, كما يضيف المؤلف, سياستها التي تراوحت بين محاولات التجسس والتخريب (قضية التجسس التي كشفتها الأجهزة المصرية ودخلت حوليات التاريخ باسم فضيحة لافون) ثم انتقلت الى العدوان الوحشي على غزة والى عدوان آخر على الحدود السورية فيما عرف باسم عملية (كنيريت). يقول البروفيسور آفي شلايم: كانت عملية كنيريت تمت في 11 ديسمبر من عام 1955 وكانت عملا من أعمال العدوان الاسرائيلي غير المبرر الذي لا يستند الى تبرير ولم يسبقه أي استفزاز. كان اعتداء اسرائيليا من البحر والجو على الأراضي السورية في منطقة بحيرة طبرية. كان الاسرائيليون ــ كما يؤكد مؤلف كتابنا ــ يتحينون أي فرصة للتحرش بالسوريين وإظهار قوتهم العسكرية وجاءتهم الفرصة حين أطلق جندي سوري بضع طلقات خدشت أحد قوارب الصيد الاسرائيلية. وكانت تلك هي الذريعة التي تمحك بها الجيش الاسرائيلي لشن عدوان كامل وشامل وغادر راح ضحيته 55 سوريا اضافة الى أخذ 30 أسيرا في حين تكبدت اسرائيل ستة قتلى وعشرة جرحى. يصف المؤلف هذه العملية الصهيونية الغادرة بأنها تمت على أساس ذريعة واهية من جانب الجيش الاسرائيلي ويقول: ان معظم المراقبين اتفقوا على أن العقاب الاسرائيلي لم يكن متناسبا بالمرة مع الاستفزاز السوري. وهذا الحكم في حد ذاته بحاجة الى تحفظ من ناحية واحدة بعينها وهي: إنه لم يكن هناك أي استفزاز من جانب سوريا. ومن عجب ــ يضيف المؤلف ــ فقد حملت هذه العملية (أو فلنقل المذبحة) اسم أوراق الزيتون (!) ولكن يزول العجب حين نعرف أنها تمت بقيادة كولونيل صهيوني اسمه ارييل شارون سوف يفرض اسمه وظله الكئيب على أحداث المستقبل ارهابيا وسفاحا بكل المقاييس. والحاصل أن العدوان على سوريا دفع مجلس الأمن وقتها الى ادانة اسرائيل وأغضب جون فوستر دالاس وزير خارجية أمريكا الذي كان الاسرائيليون يتصورون أنه معاد لهم في حين تكشف الوثائق الأمريكية أنه كان حريصا على وجود وأمن اسرائيل, وإن كان يتصور أن أكبر ضمانة لها في هذا الصدد ليس بحصولها على ترسانات الأسلحة الأمريكية ولكن باتفاقها على التعايش مع جيرانها العرب وفي هذا الصدد تقول الوثائق الأمريكية التي راجعها مؤلف الكتاب مؤخرا أن دالاس كان يتصور أن ثمن هذا التعايش يتمثل في أن تكون اسرائيل على استعداد لتقديم تنازلات في الأرض واعادة مئة ألف لاجئ فلسطيني الى ديارهم. العملية (جاما) من ناحيته كان بن جوريون ــ كما يوضح كتابنا ــ يرصد تنامي قوة مصر (الناصرية) ولاسيما بعد الاعلان عن صفقة الأسلحة التشيكية لمصر في عام 1955 وكان يستعجل من ثم استجماع القوة الصهيونية لتوجيه (ضربة قاصمة) الى مصر قبل فوات الأوان تحت الشعار الذي طرحه بن جوريون وهو: (الحرب الدفاعية) أو (الحرب الوقائية). وفي واشنطن اتخذ الرئيس الأمريكي ايزنهاور من جانبه مبادرة دبلوماسية كانت سرية في معظمها وترمي الى ترتيب اتفاق أو تفاهم بين أكبر وأخطر لاعبين في اطار الصراع العربي ــ الصهيوني وهما مصر واسرائيل المبادرة حملت اسم العملية (جاما). وفيما بعث ايزنهاور صديقه الشخصي روبرت أندرسون الذي كان نائبا سابقا لوزير الدفاع الأمريكي وكان أبرز أهدافه الاجرائية بالذات هو الترتيب لاجتماع على مستوى القمة بين الطرفين. وقد دامت العملية بين شهري ديسمبر 1955 ومارس 1956 في اطار رحلات مكوكية ظل يقوم بها أندرسون بين القاهرة والقدس, عن طريق أثينا ثم الى واشنطن ملتزما في ذلك أقصى قدر من السرية والكتمان. يمضي مؤلف كتابنا الى مزيد من التوضيح والتفصيل, يقول ان الجانب الاسرائيلي أخذ هذه المبادرة الأمريكية بأقصى قدر من الجدية في ضوء عنصر التدخل الرئاسي فيها (ايزنهاور) وبحكم مكانة المبعوث المكلف بها (أندرسون) ومن جانبه أيضا كان الرئيس عبدالناصر يلتزم جانب السرية المطلقة في لقاءاته مع المبعوث الأمريكي, ومع ذلك, يضيف مؤلفنا, فلم يكن أي من الجانبين يتوقع نجاحا خارقا أو مشهودا من جهة, فيما كان لكل من الجانبين أجندة وأولويات خاصة به من جهة أخرى. كلاهما كان بحاجة الى مساعي أمريكا الحميدة, ولكن بن جوريون كان يتطلع الى الحصول على أسلحة من أمريكا, فيما كان عبدالناصر ــ كما يضيف مؤلفنا ــ ينشد الحصول من أمريكا على معونة مالية تساعده على بناء سد أسوان العالي. وعلى مستوى مفردات الصراع, كان عبدالناصر كما يقول المؤلف أيضا (ص156) يطالب بجزء كبير من صحراء النقب وكان يطالب يضيف المؤلف بأن تعرض اسرائيل على اللاجئين الفلسطينيين (حق الاختيار الحر بين العودة الى ديارهم الفلسطينية أو بين اعادة التوطين في أماكن أخرى مشفوعا بحق التعويض). أما الجانب الصهيوني, ممثلا في بن جوريون وموسى شاريت, فكان على استعداد (فقط) لمناقشة تعديلات ثانوية في الأراضي ومساهمة في تسوية مشكلة اللاجئين على ألا يتم ذلك إلا ضمن اطار مفاوضات سلام مباشرة. من جهته أيضا كان بن جوريون يعلق أهمية قصوى على اجتماع يضمه وجها لوجه مع جمال عبدالناصر. وكان يكرر الادعاء الاسرائيلي التقليدي بأن رفض العرب الاعتراف بحق اسرائيل في الوجود هو العقبة الكأداء التي تعترض الطريق الى حيث التسوية بين الجانبين. والذي حدث أن بن جوريون عمد بعد 12 سنة من تاريخ تلك الأحداث والاتصالات الى اتخاذ خطوة غير اعتيادية نشر بمقتضاها محاضر الجلسات المتعلقة بهذه المهمة الأمريكية المنشأ وإن لم يذكر صراحة اسم المسئول الأمريكي أندرسون مكتفيا بوصفه على أنه (المبعوث) أما الكتيب الذي نشره بن جورين فقد تعمد أن يضع له العنوان التالي: (مفاوضات مع عبدالناصر). ويفسر المؤلف دافع بن جوريون الى اصدار هذا المطبوع على أنه اتباع للتكتيك الصهيوني القديم الذي يصور الطرف الآخر (العربي) على أنه الملوم عن عدم التفاهم أو التوصل لتسوية بين الطرفين. وقد نفسر نحن الأمر من ناحيتنا بأنه تكتيك صهيوني خبيث أراد به الطرف الصهيوني التشهير بعبدالناصر وتصويره على أنه كان يأخذ ويعطي مع اسرائيل ويستقبل رسائل منها ويجتمع الى وسطاء بينه وبينها أملا في اضعاف مكانة الزعيم العربي بين جماهيره. يتضح من هذا ذلك الاصرار الذي قد نراه غريبا من جانب بن جوريون على لقاء عبدالناصر شخصيا لدرجة أبلغ معها أندرسون أنه لو تم هذا اللقاء فقد يتم التوصل الى سلام بين العرب واسرائيل في ظرف يومين أو ثلاثة أيام! (ص157). ماذا كانت خلاصة موقف الزعيم عبدالناصر من هذا كله؟ تجيب على السؤال السطور التالية نوردها مترجمة بالحرف من كتاب البروفيسور آفي شلايم: بذل (المبعوث الأمريكي) أندرسون قصاراه لاقناع عبدالناصر أن يتنازل ويحقق رغبة بن جوريون في عقد اجتماع رفيع المستوى ولكن عبدالناصر رفض الفكرة قائلا إن الشعب المصري والجيش المصري والأمة العربية لن يسمحوا بمثل هذا الاجتماع. ثم طرح ناصر نقطتين اضافيتين أولاهما أن اسرائيل ليست فقط مشكلة مصرية ولكنها مشكلة للعرب جميعا والثانية أنه فيما يتعلق بمصر, فإن الأساس الوحيد للتسوية مع اسرائيل هو قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة عام 1947. ولم تكن هذه هي نقطة البداية التي تريد اسرائيل أن تنطلق منها بحال من الأحوال.