الفلسطينيون بين منطق التفاوض ولغة الكفاح _ بقلم: ياسر الفهد

بعد اندلاع نيران الانتفاضة الفلسطينية المباركة الاولى واستمرارها لفترة طويلة من الزمن, استفاقت اسرائيل من لذيذ رقادها ومن فراش نومها الهادىء على حرير الاطمئنان, واضطرت صاغرة الى تقديم بعض التنازلات, فوقعت اتفاقيات اوسلو, وقدمت لمنظمة التحرير الفلسطينية, موطأ حكم في بعض مناطق الضفة الغربية ومنحتها السلطة على بعض الاماكن الآهلة بالسكان, مع الحرص على حرمان هذه الاماكن من التواصل الجغرافي, وبقاء القوات الاسرائيلية في مواقع استراتيجية تكفل لها السيطرة العسكرية والامنية على المناطق المحتلة. وبعد اوسلو مرت سبع سنوات من المفاوضات الطويلة والمكثفة والبالغة الصعوبة والقسوة, دون ان يحصل الفلسطينيون الا على مكاسب بسيطة جداً لا يحسب لها كبير حساب. اضف الى ذلك استمرار الاستيطان بلا هوادة, سواء في عهد نتايناهو او في عهد باراك, على الرغم من جميع الدعوات والنداءات الدولية والعربية والفلسطينية لوقفها. ومن جهة ثانية فان الاسرائيليين ركبوا رؤوسهم ولم ينفذوا الا القليل من استحقاقات المرحلة الانتقالية, وضربوا عرض الحائط بالاتفاقات الموقعة بهذا الشأن. وقد نجم ذلك كله عن شعورهم بأنهم في موقف القوي, وان بوسعهم التحكم في شروط التسوية كما يشاؤون نتيجة غياب الضغوط العربية والاسلامية والدولية التي يمكن ان تحملهم على الانصياع لقرارات الشرعية الدولية وعلى اعادة الحقوق الكاملة للفلسطينيين. ونتيجة لهذا الوضع الشاذ اخذت تتولد عند الفلسطينيين مشاعر الخيبة والاحباط والنقمة وتتكون بذور الصحوة والانتقام والثورة. وكانت زيارة شارون غير المباركة للمسجد الاقصى, الشرارة التي اشعلت وقود الانتفاضة المباركة الثانية. وعلى الرغم من غياب ادنى درجة من درجات التكافؤ بين القوات العبرية المدججة باحدث اسلحة الدمار والادوات الحربية التكنولوجية, فقد استطاع الفلسطينيون ان يبثوا الرعب في صفوف الاسرائيليين ويلطخوا سمعتهم في الرمال والاوحال. ولا شك ان اي انسان في العالم, مهما كان سيء النية, لا يمكن الا ان يشعر بالاشمئزاز والاحتقار عندما يرى الطرف العبري يستعمل الصواريخ والطائرات والدبابات والمدافع الثقيلة لمواجهة الاحجار التي يحملها الفلسطينيون الاشاوس, مما ينم عن جبن فاضح. ويبدو انه لو قيض للانتفاضة القدرة على الاستمرار لفترة طويلة من الزمن فان اصحابها سيحصلون على اقصى حد من حقوقهم. ولكن علينا ان نلاحظ, ان الكفاح ضد العدو, يجب الا يتكىء على العواطف الحماسية والانفعالات القومية وحدهما, بل لابد من اجراء الحسابات الدقيقة, ودراسة المناخات السياسية وموازين القوى, ومواقف الدول الاخرى. فتواصل الانتفاضة بالاعتماد على المظاهرات الشعبية والاحجار وحدهما, سوف يعرض الفلسطينيين لخسائر بشرية ومادية هائلة مقابل تشويه سمعة اسرائيل, والحاق اصرار بشرية طفيفة بها. فهل يكفي هذا ثمناً للتضحيات؟ ومن جهة ثانية, فان استمرارها سوف يقود الى الحصار الامني والاقتصادي على مناطق السلطة الفلسطينية. ولكن هل معنى هذا انه من الافضل توقف الانتفاضة؟ بالطبع لا, بل ان الاجدى استمرارها بحسابات صحيحة. فالفلسطينيون وحدهم مهما فاضت مرائرهم, وثار ثائرهم, لا يستطيعون الصمود طويلاً امام آلة الحرب الاسرائيلية المدمرة, وتكنولوجيتهم المتقدمة, ما لم يحصلوا على دعم عربي واسلامي مؤثر, شريطة ان يكون هذا الدعم فعلياً ومحسوساً, وليس دعماً كلامياً وحماسياً وخالياً من المضمون. فلقد مللنا الشعارات والبيانات والخطب والتصريحات والمؤتمرات وجميع اشكال المظاهرات والمراسيم والاحتفالات الكلامية, واصبحنا بحاجة ماسة الى الاعمال والافعال والاجراءات والخطوات الملموسة على ارض الواقع. ومع افتراض ان ما حصل عليه الفلسطينيون بعد مؤتمر قمة الاقصى في القاهرة, ثم قمة الدول الاسلامية في الدوحة, هو افضل من لا شيء, فانه ليس كافياً على الاطلاق. واذا كان العرب والمسلمون يرفعون دائماً شعارات المطالبة بدولة فلسطينية عاصمتها القدس, فان عليهم ان يدفعوا الثمن, عن طريق تقديم الدعم العملي للفلسطينيين, بدلاً من تركهم في الساحة, كي ينفذوا هذا الشعار. وبتعبير آخر, فان الانتفاضة الفلسطينية حتى تؤتي كامل ثمارها, يجب ان تتحول الى ما يشبه الانتفاضة العربية والاسلامية, وعلى جميع جبهات المواجهة. واذا ما ادت ظروف قاهرة وضغوط دولية هائلة الى وقف الانتفاضة الفلسطينية, سعياً وراء استئناف مفاوضات التسوية, فان هذا التوقف, ينبغي ان يكون مؤقتاً ومجرد هدنة, لاختبار نوايا اسرائيل, على ان يعود اسلوب الكفاح من جديد, اذا لم تتم اعادة الحقوق كاملة لاصحابها. ومع استمرار النضال, لابد لليل البهيم, مهما طال امده, من ان ينبثق عن شهاب مضيء يشق الظلمة, في نهاية المطاف. وعلى الرغم من أن الكفاح والتضحية هما المحك الاساسي, والعامل الرئيسي لاستعادة الحقوق, فانه لا يسعنا ان نغفل اهمية المواقف الدولية. فاذا اعلنت السلطة الفلسطينية ان الانتفاضة تهدف الى ابادة اسرائيل والقائها في قاع البحر, فان دولاً عديدة, ولا سيما الولايات المتحدة ومعظم اوروبا, ستقف ضدنا بقوة وتدعم موقف الدولة العبرية, اما اذا اوضحنا بواسطة اعلام عربي ناجح وصريح, ان هدف الانتفاضة هو الحصول على حق تقرير المصير والاستقلال الكامل واقامة دولة فلسطينية مستوفية لجميع الشروط القانونية, ضمن حدود عام 1967, بالاضافة الى تطبيق قرارات الامم المتحدة بشأن عودة اللاجئين الفلسطينيين والتعويض عليهم, فان الانتفاضة ستنال تأييداً دولياً مؤكداً, اذ ليس هناك في العالم, من ينكر من حيث المبدأ, على شعب من الشعوب, حقه في الحياة وتقرير المصير والاستقلال. خلاصة القول, ان الفلسطينيين لا يستطيعون نيل حقوقهم الكاملة, الا اذا قرنوا المفاوضات بالكفاح. لان اسرائيل لا يمكن ان تسلم بحقوقهم, ما لم تشعر بأن هناك ضغطاً شديداً يثقل عليها وينغص عيشها ويؤرق لياليها, ويهز كيانها. ولا شك ان تجربة الجنوب اللبناني سوف تبقى معلماً من معالم الهداية والنور, واشارة واضحة الى الطريق الصحيح والمسلك القويم. وعلينا ان نلاحظ, انه اذا ما بدا في فترة من الفترات ان الانتفاضة المباركة, قد خفت حدتها, او هدأت نيرانها, فان هذا لابد ان يكون مجرد اجراء مؤقت لالتقاط الانفاس, او لإعادة تجميع الطاقات او ربما استجابة لتطورات سياسية معينة. ولاشك انها ستعود, بعد ذلك, اكثر مضاء واعظم قوة من ذي قبل, اي ان من المتوقع ان تمر هذه الانتفاضة بمراحل (مد وجزر) او (كر وفر), الى ان تحقق اخيراً كامل اهدافها. كاتب سوري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات