الانتفاضة وجدل خيارات المواجهة _ بقلم: د. محمد خالد الأزعر

على هامش انتفاضة الأقصى وبايحاء من تداعياتها, ثار نقاش جدي حول موازين القوى العربية الاسرائيلية. ولا يعد هذا النقاش جديدا, بل له أصول تعود في المحيط العربي الرسمي والشعبي لمرحلة ما قبل اعلان الدولة اليهودية, غير أنه يطفو ويخبو بفعل حوافز ومثبطات بعينها. وغالبا ما تكون الممارسات الارهابية الاسرائيلية الفاضحة أو الصريحة, مسئولة عن إحياء عمليات المقارنة والحديث عن مدى القدرة العربية وحدودها في ردع اسرائيل من منطلق القوة الشاملة لاسيما بالمعنى العسكري. هذا ما جرى في سياقات ما بعد حرب 1967 والغزو الاسرائيلي للبنان عام 1982 والانتفاضة الكبرى (1987 ــ1992) وانتفاضة الأقصى الراهنة.. ويستفاد من ذلك, ضمن أشياء أخرى, أن السلوك الاسرائيلي المعتمد على منهجية القوة, يواكبه على الجانب العربي نوع من استفزاز فكرة المواجهة وتنحية تأثير حيثيات عهد التسوية, التي كان منها ومازال الوصول بالأمة العربية الى حالة من الاسترخاء والسيولة ازاء التحدي الصهيوني عموما. يحمد للارهاب الصهيوني إذن أنه يذكر العرب بالخطر الرابض بين ظهرانيهم, وبضرورة التفكير فيما لا يريد التحالف الصهيوني الاستعماري لهم التفكير فيه. وذلك بشكل دوري ويصدق على هذه العملية قول الشاعر (كلما التأم جرح, جد بالتذكار جرح). في آخر مناسبات هذه العملية الاسترجاعية أو التذكارية, راوحت الأفكار المتداولة بين استشعار الشارع العربي بالقوة الذاتية والقدرة على المواجهة, وبين دعوات التريث والحذر من الانسياق الى خيار القوة, بغير تدبر معمق في حسابات لا يدركها سوى الرأي العام في حمأة الغضب والانفعال الشعبي العارم, وظهرت في هذا الاطار أفكار توفيقية لا ترى العمل بهاتين النظريتين الحديثتين, باعتبار أن العرب لديهم خيارات وسيطة يمكن ادراجها تحت شعار المقاومة. ولأن الأمة لا تجتمع على ضلالة, فإن نداءها بردع العدوانية الصهيونية ولو بالقوة لابد وأنه يستند الى معطيات موضوعية, حتى وإن لم يكن هذا النداء واجب التطبيق في التو واللحظة. كل ما في الأمر أن الشارع العربي لديه جدل, مسوغات لحفز القيادات على الفعل, بينما يقع على كاهل هذه القيادات, البحث في التفاصيل وتعيين المداخل الأنسب للتنفيذ. من يعزل هذا الافتراض, الذي مؤداه أن الأمة تتحسن أو تستشعر قوتها وقدرتها على الاستجابة للتحدي الاسرائيلي, يقول من طرف خفي بأن هذه الأمة لا تعرف مكامن قوتها وضعفها, وأنها عاجزة عن التقدير الصحيح للأمور وليست راشدة وتحتاج الى عقلاء يوجهونها نحو سواء السبيل, وإلا أوردت ذاتها موارد التهلكة. مثل هذه المقولات تحتاج الى عملية تفنيد وجرح, كونها تنطوي على استعلائية من النخب التي تطرحها ازاء سواد الأمة. ويعد البحث في المعطيات التي تستنبطها دعوة الاستعصام بالقوة جزءا مهما من هذه العملية. في تقديرنا أن هذه الدعوة تنطلق أساسا من احساس بالخطر المشترك من السلوك الاسرائيلي, وأن ما يحدث في الرحاب الفلسطينية رسالة تستهدف الأمة بأسرها في يوم قريب أو بعيد. وباعتبار الشعب الفلسطيني بضعة من أمة واسعة, فإن ما يناله من الارهاب الصهيوني الاسرائيلي ينال من كرامة أمته ويشعرها بالمهانة. ولكن هذا الاحساس لا يكفي كدافع للاستنفار ونصرة فلسطين إلا بالمعاني المعنوية. ولهذا يتعين الغوص أكثر في دواعي التنادي للمواجهة من منطلق عناصر القوة المادية. وعلى هذا الصعيد, ثمة ما يغري بعدم الاستخفاف بالمقاربة الجماهيرية للأمر برمته. إن هذه الجماهير ليست بالسذاجة أو الطفولية الثورية التي يزعمها بعض المرجفين.. فهي تعرف أنها تملك من أسباب القوة ما يؤهلها لردع العدوانية الاسرائيلية. ومن ذلك, كتلة بشرية تقترب من الثلاثمائة مليون, ومساحة جغرافية مترامية, تختزن موارد بالغة التنوع والأهمية, وخبرة تاريخية غنية بالمضمون الحضاري وكذا في مقارعة أنماط الاستعمار بما فيها تجارب الاستعمار الاستيطاني, وجيوش حسنة التدريب والتسليح والخبرات الميدانية. وقبل ذلك كله وبعده, تدرك هذه الجماهير أنها تقف على أرضية حقوقية وأخلاقية صلبة, فيما يزود الجانب الصهيوني عن باطل زهوق مهما ادعى بغير ذلك. والواقع أن هناك من القوة المعنوية الكامنة في الجانب العربي ما لاتستطيع القياسات الأكاديمية الجافة تحديد تأثيره الكيفي, فلا يعقل مثلا أن يتساوى الحافز المعنوى للتضحية والعطاء بين صاحب الأرض وبين المستوطن الغازي حديث العهد بالكيان الصهيوني, الذي وفد باحثا عن أرض اللبن والعسل ووجدها أرضا تنبت أنماطا من (أطفال الحجارة).. الشارع العربي يدرك هذه القوة الذاتية بأبعادها المعنوية والمادية وهو في ادراكه هذا يأخذ بالمنظور الطبيعي للمواجهة. إنه يعتبرها مواجهة شاملة بين الأمة بأسرها وبين كيان غريب استيطاني عنصري لا يستثني من العرب أحدا. ومن المدهش أن هذا الكيان ومحازبيه العالميين يتبنى المنظور ذاته.. فالفكر الاستراتيجي الاسرائيلي, العسكري بالذات, وغير العسكري عموما, يتعامل مع مجموعة الدول العربية ويخطط عادة على أرضية التصدي لحاصل عناصر قوة الأمة العربية. وهو يستجدي الدعم والمدد الخارجي على هذا الأساس. فكأن هذا الفكر يوحد العرب عسكريا حتى من دون وجود عضوي لهذه الوحدة. وهذا هو عين ما يبغيه رجل الشارع العربي وما يقصده أيضا عندما يتحدث عن خيار القوة. ويبدو أن رجل الشارع هذا يعلم يقينا بحدسه أن مفردات القوة العسكرية في العالم العربي تمنح العرب ميزة التفوق في الميزان العسكري على العدو الاسرائيلي. وبهذا الحدس الطبيعي يلتقي عامة العرب مع ما تقوله أكثر مراكز الدراسات الاستراتيجية تطورا ومتابعة وتخصصا.. ففي تقريره للعام 2000/2001 يشير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن الى هذه الحقيقة.. بل ونعرف من الأرقام المقارنة, أن القوة العسكرية لكل من مصر وسوريا والعراق ودول مجلس التعاون الخليجي الستة فقط, تتفوق تماما على القوة العسكرية لاسرائيل في أقصى درجات التعبئة العامة. على أن هذا الادراك غير الواهم شئ, وترجمته في المكان والزمان وفقا للبيئة المحيطة اقليميا ودوليا شئ آخر. قضية التفعيل والترجمة العملية هذه, هي التي تستحق العناية من جانب الأخوة الاستراتيجيين العرب, أما الطرح القائل بأن موازين القوى تميل لاسرائيل, فإنه يحتاج الى التدقيق واعادة النظر. إن المزج العقلاني بين ارادة الشارع ووعيه بالتضحيات المطلوبة, وبين تدبر القيادات وحكمتهم, وبين علم الاستراتيجيين ومعرفتهم بالتفاصيل, هو الذي يستنتج رؤية استراتيجية صائبة في مواجهة عنجهية القوة الاسرائيلية. لا أحد يزعم امكانية تبلور هذه الرؤية بين عشية وضحاها.. ولكن المراد فيما نتصور, هو عدم استبعادها بالكلية أيضا. ويبدو أن استمرارية العدوانية الاسرائيلية بشكل دوري, هي التي تتولى تذكير العرب بهذا المراد. كاتب فلسطيني مقيم بالقاهرة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات