من يمنطق المقولات القديمة والحكايات العتيقة التي يرددها كبار السن يكتشف سر الأسئلة الحائرة التي تستوقفنا اجاباتها أحيانا, فمن وسط الكم الهائل من المقولات والوقفات ترتسم ومضات صادقة ومؤثرة تدل على تجربة وفعل حقيقي يراها شباب اليوم غير مؤثرة في حين انها تحمل أبعادا كبيرة لزمن مقبل ومتواصل. ومثلي كثيرون تستهويهم تلك اللغة القديمة التي لا يبخل الآباء والأجداد في تلقينها للجيل الحاضر, فيجدون في تفاصيلها دروسا تختزل سنوات من التعب والمعاناة والعطاء, بل وتفوق زمانها لتمتد لأزمنة حديثة في تعاطيها مع مستجدات الحياة لكنها قديمة في التجربة والخبرة. ومن المقولات التي يرددها كبار السن مقولة قديمة تأخذ استمراريتها جيلا بعد جيلا, فهم يقولون (كل على كيفك والبس على كيف الناس) في اشارة إلى أهمية المظهر الاجتماعي والمحافظة على قيم وعادات المجتمع. ويأتي تركيز الأهالي قديما على الملبس لأنه الغطاء الذي تلتقطه العين ولأن المعاناة قديما ركزت على كيفية تأمين لقمة العيش في ظل الظروف المعيشية القاسية التي جعلت من إنسان هذه المنطقة بطلا حقيقيا يقف في وجه ما تحتمه الحياة المعاشة بشظفها وقساوتها. والحكايات القديمة كثيرة في مسألة المظهر الاجتماعي, فها هو أحد العذريين يدخل على معاوية وعليه عباءة فيزدريه معاوية فيجيبه: يا أمير المؤمنين إن العباءة لا تكلمك, وإنما يكلمك من فيها. وقال الأصمعي: رأيت أعرابيا فاستنشدته أبياتا, وروى أخبارا فتعجب من جماله, وسوء حاله فسكت سكتة ثم قال: أأخي إن الحادثات عركنني عرك الأديم لا تنكرن أن قد رأيت أخاك في طمري عديم إن كان أثوابي رثات فإنهن على كريم ويحكى ان أحد الأشخاص كان فقيرا معدما, وكان مظهره وخاصة ثيابه الرثة المرقعة تدل على ما وصل إليه حاله, وكان الجميع يصده, وفي أغلب المجالس لا يرحب بوجوده وحضوره إليها.. وذات يوم كان أحد شرفاء القوم حاضرا مجلسا من المجالس وإذ بهذا الشخص يلقي التحية فلا يرد عليه أحد سواه, فينظر صاحبنا إلى القوم ويسألهم: لماذا لا تردون تحية الإسلام على من قالها؟ فلا يجبه أحد, فينهض الرجل تاركا مجلسه ويأخذ بيد الرجل ويذهب به إلى منزله فيكرمه ويعطيه من خيرات الله ويطيب خاطره بأجمل الكلام, وينصحه بضرورة تغيير هيئته وملبسه لأن العين لا تتكحل إلا بالمنظر الجميل والهيئة الحسنة, فينفذ الرجل كلام صاحبنا المحسن, فيغير هيئته وملبسه وينتقي من أفخر الأقمشة ثيابه, ويذهب إلى صاحب الإحسان ليشكره فلا يعرفه بعد أن تغيرت هيئته وأصبح رجلا آخر في ملبسه, فيأمره صاحبنا بمراجعة أصحاب المجالس الذين لم يردوا تحية الإسلام ليستجلي أمرهم ويعرف خبرهم, وعند الموعد المحدد يأتي صاحبنا الفقير وكان المقتدر قد حضر قبله, فيسلم صاحبنا الفقير بهيئته الجديدة فينهض القوم مرحبين بضيفهم, وبعد أن يهدأ القوم, يقوم صاحب المجلس بالسؤال عن الرجل وعن أحواله وعن قومه وأصحابه فلا يرد عليه الفقير, بل يعمد إلى خلع الرداء والعمامة والثياب التي يرتديها ويكومها أمام صاحب المجلس وسط دهشة الناس وفضولهم, فيثور المستضيف من تصرف صاحبنا فيجيبه الفقير: جئتكم بثيابي المرقعة فطردتموني ولم تردوا عليَّ تحية الإسلام, والآن ترحبون بي وتسألون عن أحوالي, أعتقد ان الذي أمامكم هو نفس الشخص والذي تغير هو الملبس, لذا اسألوا ثيابي وعمامتي لتجيبكم, فأنتم قدرتموني لها ولم تقدروني لشخصي.. ثم أنشد قائلا: عليّ ثياب لو تقاس جميعها بفلس لكان الفلس منهنّ أكثرا وفيهن نفس لو يقاس ببعضها نفوس الورى كانت أجل وأكبرا وما ضر نصل السيف أخلاق غمده إذا كان عضباً حيث وجهته برى ثم أردف قائلا: ألم تسمعوا ما قاله بعض الحكماء؟ انهم قالوا: إذا افتقر الرجل اتهمه من كان به وثقا, وأساء به الظن من كان ظنه به حسنا, ومن نزل به الفقر والفاقه لم يجد بدا من ترك الحياء ومن ذهب حياؤه ذهب بهاؤه, وما من خلة هي للغني مدح إلا وهي للفقير عيب فإن كان شجاعا سمي أهوج, وإن كان مؤثرا سمي مفسدا, وان كان حليما سمي ضعيفا, وان كان وقورا سمي بليدا, وان كان لسنا سمي مهذارا, وان كان صموتا سمي عييا.. ثم أردف والقوم صامتون كأن على رؤسهم الطير.. ألم تسمعوا ما قاله ابن كثير: الناس اتباع من دامت له نعم والويل للمرء إن زلت به القدم المال زين ومن قلت دراهمه حيّ كمن مات إلا انه صنم لما رأيت أخلائي وخالصتي والكل مستتر عني ومحتشم ابدوا جفاء واعراضا فقلت لهم أذنبت ذنبا فقالوا ذنبك العدم ثم وثب صاحبنا الفقير قائما فوقف المجلس احتراما لفصاحته وبلاغته وحسن حديثه ومنطوقه فسلم وانسل من بين الجموع مودعا المكان دون عودة.