الباب السري لجمال عبدالناصر ، بقلم: عادل حمودة

كان العالم العربى محاصرا بسكاكين الاستعمار من جميع الجهات, لم يكن قادرا على القبض على اللصوص العالميين الذين لم يتركوا له حبة قمح فى مستودعاته إلا ونهبوها, ولا قطرة نفط فى آباره إلا واستنزفوها, ولا قطعة آثار فى متاحفه إلا وهربوها, ولا حيوانا نادرا فى مراعيه الا ونقلوه أى هربوه إلى حدائقهم ليرفهوا بها عن أطفالهم عن عطلة نهاية الاسبوع. فى ذلك الوقت المبكر من خمسينيات القرن العشرين كانت الشعوب العربية تعيش رجيما إجباريا شديد القسوة, تأكل الفول والشعير والحمص وعلف الحيوانات, بينما كان الاستعماريون الغربيون يحتسون النبيذ. ويأكلون الشاتوبريان, والسيمون فيميه, وسمك السلطان إبراهيم المدخن, ويحلون بالفاكهة المستوردة من تحت خط الاستواء. فى ذلك الوقت الذى ولدت فيه ثورة يوليو كان جمال عبدالناصر يؤمن بأن استقلال مصر لن يدون دون استقلال العالم العربى, دون أن يثور المأكول على آكله, والمذبوح على ذابحه, والمركوب على راكبه, فالذين احتلوه لا يخجلون, ولا يشبعون, ولا يضعون حصوة ملح فى عيونهم, كان جمال عبدالناصر يؤمن بأنه آن الآوان لتغيير المعادلة القديمة التى جعلت منا أبقارا رغم أنوفنا لا نصلح إلا للذبح أو للحليب. إن هذا هو مايصل إلينا بوضوح فى كتاب رجل جمال عبدالناصر الخفي إلى العالم وهو فتحى الديب, كتاب (عبدالناصر وتحرير المشرق العربى) الذى تحتضنه الآن مطابع مؤسسة الأهرام ليصبح حديث الوطن العربى بعد نزوله الأسواق, وقد سمح لنا مؤلفه بأن نوصل رسالته الى القراء قبل أن يصل إليهم الكتاب, فشكرا له. لقد اهتم جمال عبدالناصر بالعالم العربى قبل أن يهتم باستقرار حكمه فى مصر, فحماية مصر تبدأ من هناك, وقد كان على فتحي الديب أن يقوم بجولة استكشافية على الطبيعة فى مراكز الأعصاب السياسية فى العالم العربى ليضع خطة التعامل معه, ودعم ذلك بزيارة رسمية قام بها أول وفد رسمى فيما بعد, كانت الزيارة فى صيف 1954 وكانت الشخصية البارزة والمعلنة فى الوفد هو صلاح سالم, وزير الارشاد القومى وعضو مجلس قيادة الثورة, وكان فى الوفد, محمود رياض وفتحى الديب, وكانت تعليمات جمال عبدالناصر لهم هى: الاتصال بكافة القيادات السياسية سواء فى الحكم أو فى خارجه لإيضاح أسباب ثورة يوليو وشرح أهدافها على المستوى المحلى وتطلعها الاستيطانى الاسرائيلى فى فلسطين, والتعرف على الأحزاب التقدمية العربية وقياداتها ومدى استجابتها لمبادئ ثورة يوليو, ومحاولة التوصل إلى اتفاق للتعاون العسكرى يضم الدول المحيطة بإسرائيل لمحاصرتها والتخلص منها. وتقرر أن تبدأ الرحلة بزيارة لبنان, باعتبارها مركز النشاط الدعائى المعادى لثورة يوليو, والذى تركز فى حملات صحفية وإذاعية وبيانات حزبية, ووصل الوفد المصرى الرسمى مطار بيروت على متن طائرة خاصة كانت تضم أيضا محمد ابراهيم كامل وزير الخارجية فيما بعد الذى استقال أثناء مفاوضات (كامب ديفيد) وكان مديرا لمكتب صلاح سالم, وعلي شوقى واحمد نصر وكمال فيظى من مكتب صلاح سالم وبعض الصحفيين. وقام الوفد بزيارة الزعامات التقليدية فى لبنان, كامل الأسعد الزعيم الشيعى ورئيس مجلس النواب, وكمال جنبلاط رئيس الحزب التقدمى الاشتراكى وزعيم الطائفة الدرزية, وصائب سلام ورشيد كرامى وهما من زعماء الطائفة السنية, ولم يكن من الممكن إغفال زيارة بطريرك الطائفة المارونية, والغريب أن اللبنانيين الذين يمثلون المقاومة الشرسة لإسرائيل لم يقبلوا فى ذلك الوقت الارتباط بإتفاق عسكرى لمواجهة اسرائيل, وكان كل مايهمهم هو تسويق التفاح الذى لا يجدون أسواقا لتصديره. وقد كان من الطبيعى أن تنتهى زيارة لبنان بالسفر إلى سوريا, لكن الاضطرابات الداخلية هناك والتى تمثلت فى استقالة حكومة صبرى العسلى وظهور حكومة هاشم الأتاسى غير طريق الرحلة إلى السعودية, وفى السعودية كان على الوفد ازالة المخاوف من ثورة يوليو, فقد اعتبرتها مصدر خطر, وهو مادفع السعوديون إلى الحد من ارسال الطلبة للدراسة فى القاهرة, واستدعائهم لكافة رعاياهم فى القاهرة, والتقى الوفد بالأمير فيصل بن سعود الذى كان وزيرا للخارجية, وأصبح فيما بعض ملكا على البلاد, والتقى الوفد بالملك سعود بن عبدالعزيز ليشرح له صلاح سالم أهداف الثورة وينفى أطماعها فى السعودية أو فى غيرها, ويؤكد أن كل مايهم قادتها هو التعاون الاستراتيجى لمواجهة اسرائيل, ويقول فتحى الديب: (لقد نجحنا فى إزالة شكوك السلطات السعودية الى حد ما فقد كنا نريد الانفتاح على الساحة العربية), ولكن الرياح السياسية بين البلدين جاءت فيما بعد بما لا تشتهى السفن. وكان من الطبيعى أن تكون اليمن هى المحطة التالية بعد السعودية, وهبطت الطائرة فى مطار تعز بعد أن كادت تسقط بسبب قسوة قمم الجبال المدبب هناك, ونزلوا من الطائرة وأعصابهم مشدودة ليجدوا فى استقبالهم الأمير عبدالله شقيق الإمام, وحسن شعيب القائم بالأعمال فى السفارة المصرية, وتوجهوا الى دار الضيافة التى زودت بدش ودورة مياه وأثاث جديد وأطقم طعام وشوك وسكاكين وطاهى من عدن وهو ما لم يكن موجودا فى دار الضيافة من قبل. والتقى الامام بصلاح سالم مرتين, منهما مرة بعيدا عن الوفد, وكان كل همه هو تحديد نوايا ثورة يوليو تجاه العرب. ولم يتردد صلاح سالم فى اعلان مساندة مصر لليمن لمواجهة أى عدوان بريطانى يأتى من ناحية عدن, وطلب الامام بعثة مصرية لتدريب الجيش والشرطة, وفيما بعد اختير الصاغ (رائد) أحمد كمال أبوالفتوح واليوزباشى (نقيب) محمود عبدالسلام لمهمة تدريب الجيش اليمنى, واختير الصاغ عبدالله حامد واليوزباشى مصطفى الهمشرى لتدريب الشرطة اليمنية. وكانت التعليمات الصادرة لهم تتلخص فى كلمة واحدة هى الصبر, عليهم الصبر فى مواجهة كافة أنواع الاثارة النفسية المنتظر أن يواجهوها, أما المهمة الحقيقية لهم فكانت مساندة الشعب اليمنى بكافة الوسائل ليتحرر من كافة صور الاستبداد والقهر فى الشمال وتحريره من الاستعمار البريطانى فى الجنوب. ومن اليمن طار الوفد الى العراق, أصعب محطة فى الرحلة, ففى ذلك الوقت كانت مخططات السياسة الأمريكية لتطويق المنطقة بحزام من الاحلاف قد بدأت تطفو فوق السطح, وكان العراق تحت رئيس حكومته نوري السعيد يمثل رأس الحربة فى تنفيذ هذه المخططات التى كان الهدف منها تطويق الاتحاد السوفييتى بالقواعد العسكرية والاعلامية, وكان على العراق أن يجر معه سوريا والأردن, ثم تركيا وايران فيما سمى بحلف بغداد, وكان واضحا أن اقامة هذا الحلف معناه حصار مصر فى ثوبها الثورى الجديد واقامة حاجز من القوى المضادة بينها وبين العالم العربى, وكان على الوفد إقناع المسئولين العراقيين بخطورة الخطوة التى سيقدمون عليها وكشف خطورتها على العالم العربى, وهبطت الطائرة المصرية فى بغداد, ثم استقل الوفد سيارات انطلقت به الى الموصل بعد أن تقرر أن تكون المفاوضات بين الجانبين فى مدينة سرسنك, وفى الطريق أتيح لفتحى الديب التعرف على طبيعة هذه المنطقة الكردية ونوعية سكانها, وقد كانت الصورة الشائعة لهذه المنطقة انها منطقة من الجبال الجرداء القاحلة الوعرة والتى لا تختلف كثيرا عن جبال اليمن ومسالكها, ويقول فتحى الديب: أنه فوجئ بما لم يكن يتوقعه, حيث أغدقت الطبيعة بقدرة الخالق على تلك المنطقة بالخيرات الكثيرة متجسدة فى خضرة تكسو جبالها وممثلة في أشجار فاكهة متنوعة, وكأنها قطعة من الجنة, ولم يكن سكانها بالعنف الذى قيل عنهم, فقد كان الحكم فى بغداد دائما مايشهر بهم ليعطى لنفسه مبررا للقضاء عليهم. كان على باب الفندق فى سرسنك نوري السعيد ليستقبل الوفد, ثم تركهم ليستريحوا, وشعر صلاح سالم بالخطر, ونصح رفاقه فى الرحلة بعدم الكلام فى الغرفة المغلقة خوفا من أن تكون أحاديثهم مسجلة, فهم امام شخصية خطيرة, قادرة على أن تضع السم فى العسل, وقادرة على أن توصل كل ماتريد وهى تبتسم ابتسامة ساحرة عريضة, ولم يمنع الحذر من التنصت أن يقع فيه الوفد المصرى, فقد دعاهم نوري السعيد الى الطعام تحت شجرة كانت مزروعة بالميكروفونات التى ترصد وتسجل الهمسات قبل الكلمات. وحاول صلاح سالم اقناع السعيد بتوحيد الجهود العربية لقطع الطريق على فكرة المحاور والاحلاف, وابدى استعداد مصر لتزويد العراق بالخبرات الفنية بدلا للخبرة الأجنبية, وبلا مقابل, ولكن السعيد لم يكن يرى خطرا فى اسرائيل. وكان يرى كل الخطر فى المد الشيوعى, ولم يخفف من حدة الصدام والصراع بين الرجلين العشاء الذى أقيم على شرف الوفد المصرى على الطريقة العشائرية العراقية تحت الخيام فى الجبال, وفى النهاية لم يصل الوفد المصرى إلى نتيجة سوى أن يسافر السعيد بنفسه الى القاهرة للحوار المباشر بينه وبين جمال عبدالناصر. وجاء الدور على سوريا. لقد جرت زيارة دمشق فى سبتمبر عام 1954 بعد انتهاء حكم أديب الشيشيكلى واعادة انتخاب هاشم الأتاسى رئيسا للجمهورية, وتولى العقيدان عدنان المالكى قيادة الجيش الذى ما أن التقى صلاح سالم فى لقاء خاص جرى بينهما حتى اقترح عليه مشروعا لاتفاق عسكرى يضم البلدين, ثم يتطور فيما بعد بضم باقى الدول العربية المحيطة بإسرائيل لإحكام الطرق حولها, وعلى الفور وضعت النصوص الكاملة لمشروع الاتفاق وباركه الجميع وكلف صلاح سالم فتحي الديب بالسفر فورا الى القاهرة وأخذ رأي جمال عبدالناصر على بنود الاتفاق, والتى لم يجر عليها جمال عبدالناصر تعديلات كبيرة, ثم عاد فتحى الديب الى دمشق ليوقع صلاح سالم أول اتفاق عربى للتعاون العسكرى, وتحول العشاء الذى اقامه الجيش السورى على شرف الوفد المصرى إلى مظاهرة عسكرية مؤثرة, أن سوريا كانت الدولة العربية الأولى التى استراحت لثورة يوليو, واستفادت منها فى خلق حالة الاستقرار التى كانت تفتقدها بسبب توالى الانقلابات العسكرية, ولعل ذلك هو الذى جعل جمال عبدالناصر يحمل هو وسيارته على الأعناق فيما بعد فى أول زيارة يقوم بها إلى دمشق. وترك الوفد المصرى دمشق الى عمان, والتقى الملك حسين فى قصره طبقا للمراسم الملكية, وانفرد بصلاح سالم فى جلسة ثنائية, وسمع منه رفض مصر للأحلاف والقواعد العسكرية, وضرورة توسيع الاتفاق العسكرى لمواجهة اسرائيل, ورفض الملك حسين الاتفاق, وكانت وجهة نظره أن الاتفاق يتطلب أموالا طائلة لاعادة تنظيم الجيش الأردنى وزيادة تعداده وتسليحه لتغطية جبهة المواجهة مع اسرائيل التى تمتد الى حوالى 180 كيلو مترا, وأن توفير هذه الأموال الضخمة ليست فى مقدرة مصر أو الأردن أو أى بلد عربى آخر. ولم يتردد الملك حسين فى أن يترك الوفد المصرى فى صحبة الجنرال جلوب قائد البعثة العسكرية البريطانية فى الأردن, وكأنه على حد قول فتحى الديب أراد أن يؤكد أن الوجود البريطانى بالأردن قائم (ولن يسمح باتخاذ أى خطوة تمثل خطورة على كيان اسرائيل التى ساهمت بريطانيا فى اقامتها على أرض فلسطين). وقرر الوفد المصرى الطيران الى السعودية لاقناعها بالاتفاق الموقع مع سوريا, ورافق الوفد فى هذه الزيارة خالد العظم وزير خارجية سوريا فى نفس الطائرة, وكان خالد العظم قد جاء الى عمان برا, وقد كان له تأثيرا واضح فى ازالة الكثير من المشاكل والشكوك فى نوايا مصر وجمال عبدالناصر العربية, وبعد مفاوضات لم تكن سهلة وافقت السعودية على الاتفاق, وعكست الزيارة نفسها فى اعادة الطلبة السعوديين الى القاهرة. وعاد الوفد الى القاهرة ليغير ثيابه ثم ليطير من جديد الى السودان, إن السودان هو العمق الاستراتيجى لمصر, وهو ظهرها الذى يحميها من الخناجر الطائرة فى الجنوب, وهو أمنها القومى الذى يوصل إليها شريان الحياة, نهر النيل العظيم والخالد, وقد حظى السودان باهتمام مباشر من جمال عبدالناصر بصورة لم يتوقعها المراقبون السياسيون فى العالم, وقد كان ملف السودان فى يد صلاح سالم بالاضافة الى عمله وزيرا للإرشاد, أما فتحى الديب فكان عليه جمع المعلومات بصورة خفية وتقديمها فى صورة تقرير يمهد الطريق لأفضل السبل للتعامل مع السودان, وقد تضمن هذا التقرير علامات خطر حمراء متنوعة ومهمة. إن السودان محكوم بالطائفية الدينية وكانت الطائفية ولا تزال هى الثغرة التى تنفذ منها القوى الخارجية للتدخل فى شئون السودان الداخلية, وأن عروبة السودان لا تمثل إلا شماله فقط. أما الجنوب فمازال سكانه يعيشون على الفطرة دون اهتمام من حكام الشمال ورغم وجود قبائل مسلمة منذ القرن الثامن عشر فإن بعثات التبشير المسيحية لا يتوقف نشاطها, وبفعل الطائفية ينقسم السودان الى طائفتين رئيسيتين هما المهدية والختمية, والمهدية هم اتباع الامام المهدى ويمثلون الغالبية العظمى فى جزيرة أبا والمديريات الغربية, والختمية وهم اتباع علي الميرغنى الزعيم الروحى للطائفة وهو أكثر ارتباطا بمصر, ويتربع على عرش الأحزاب السياسية حزبا الأمة والحزب الوطنى الاتحادى, ثم هناك فئة من المثقفين أغلبهم كان يميل للأفكار اليسارية والشيوعية, وكان الجميع متفقون على حق السودان فى تقرير مصيره, وكان مندوبا مصر فى لجنة تقرير مصير السودان حسين ذوالفقار صبرى وعبدالفتاح حسن, وازاء تزاحم الأحداث وافق زكريا محيى الدين مدير المخابرات العامة على اضافة محمد فائق الى مجموعة متابعة السودان, وكان يعاونه اليوزباشى عبدالمنعم السودانى وهو سودانى الأصل. لقد استغرقت الدراسات الميدانية والتقارير السرية عن العالم العربى أكثر من عام ونصف العام, ووصلت الصورة النهائية لجمال عبدالناصر مليئة بالتفاصيل والأضواء والظلال, وكانت على النحو التالى: إن هناك تطابقا كاملا بين حالة العالم العربى والحالة التى كانت عليها مصر قبل الثورة من تعداد الأحزاب أو التجمعات السياسية التى لا هدف لها الا الجلوس على مقاعد السلطة والإثراء غير المشروع على حساب مصلحة الملايين من البشر. تسابق معظم القوى السياسية لتقديم الولاء للاستعمار والقوى الخارجية وهو ما أفقد الأجيال الجديدة الثقة فى العمل السياسى والحزبى فكان أن نزل أغلبهم تحت الأرض فى تنظيمات دينية وشيوعية متشددة. يكاد لا يخلو بلد عربى واحد من الطائفية وهى المأساة المزمنة التى لا يمكن أن يصلح حال العالم العربى دون القضاء عليها أو على الأقل التخفيف من حدتها. ما أن انفجرت ثورة يوليو حتى تصور الشعب العربى أنها مجرد انقلاب عسكرى مثله مثل مايحدث فى سوريا, الا أن ازاحة الملك عن العرش واعلان الجمهورية واعلان مبادئ الثورة القومية والوطنية واصدار قانون الاصلاح الزراعى جعل الصورة الخاطئة تتغير وتتبدل وبدأت القوى التقدمية تنظر فى أمل وتفاؤل الى القاهرة. كان لإلغاء الأحزاب فى مصر وتكوين هيئة التحرير آثره البعيدة فى الوطن العربى, فقد اعتبرت الأحزاب العربية التقليدية أن هذا العمل يعتبر تهديدا لها ولمصالحها واعتبرت صدور قانون الاصلاح الزراعى عملا عدائيا موجها ضدها, ولم تتفهم هذه الاحزاب الشعارات القومية المنطلقة من القاهرة وعندها اختلف الاخوان المسلمين مع الثورة وهاجروا الى بعض البلاد العربية ازدادت حدة الكراهية للسلطة الثورة الجديدة فى مصر, ولم يكن موقف التجمعات الشيوعية بأفضل منها, فهى تنظر إلى ثورة يوليو على أنها انقلاب عسكرى قامت به البرجوازية المصرية لتعطيل مسيرة الثورة الحقيقية. لقد كانت ثورة يوليو وجمال عبدالناصر فى مأزق حرج, فالقوى العربية القائمة والحاكمة والشرسة تعادى كل مايصدر عن القاهرة, والقوى الجديدة الصاعدة المتفائلة غير واثقة من كل مايصدر عن القاهرة, وقد كان لابد من معجزة لكى يصبح العالم العربى مؤمنا بنفسه وبالقاهرة فى ثوبها الجديد, كان الجميع فى حاجة إلى دليل علمى ملموس ليدخل العالم العربى فى مرحلة المد القومى, والبريق الوطنى, فكيف وقعت المعجزة؟, وكيف دفعت الظروف بالدليل المقنع ليصبح فى الصدارة؟, مرة أخرى تحتاج الإجابة لبعض الصبر ولبعض الانتظار.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات