لماذا تفوقت اوروبا على جميع شعوب الارض؟ للاجابة عن هذا السؤال دعونا نعود قليلا الى القرن السابع عشر حين تعرض ارسطو الفيلسوف اليوناني الى انقلاب من طرف رينيه ديكارت واسحاق نيوتن بعد هيمنة ارسطو طاليسية دامت الفي سنة. فقد اعتقد بعض العقلاء بأن العقل هو اقوم طريقة لتفسير الظواهر الكونية.. هذا الاعتقاد الذي ساد في القرنين التاسع عشر والعشرين والذي اعتبر دربا من الخيال في عصر النهضة وبالتالي تحولت البشرية في قرنها المتقدم الى محاولة رفض اية قناعة مباشرة بالتفسيرات المعنوية التي تعتمد على الخرافة في تقويم العالم. فراحوا يطالبون بالعقل الذي حل محل التفسير الكهنوتي المادي المسيحي التقليدي, وهكذا انطلقت مرحلة المادية في تجسيد الافكار.. لكن جمهور القرون الوسطى اندهشوا بل صدموا عميقا لما وصل اليه العلم من اسقاط تصوراتهم الراسخة منذ الازل حول العالم. وذاع صيت التفكير المادي في كل شيء.. الامر الذي دفع بماركس الى اتخاذ التاريخ نفسه كحتمية علمية وكقانون قاطع. وبعد هذه المرحلة الدامية جاءت مرحلة تطبيق الحسابات الكمية على الظواهر وبين ما جاء به ارسطو من علم وجاليليو وديكارت من علم آخر هو ان الاول نوعي والثاني كمي وبالتالي انفجر العالم الى رياضيات وتحول الى مدرسة تدعو الى الصناعة والتكنولوجيا والحداثة في كل شيء مع علم الكيمياء والفيزياء وساد العالم اعتقاد التأويل بالسيطرة على كل المفاهيم حتى تحول العالم الى قبضة حسابية الامر الذي ادى الى الاستغناء عن كل تفسير لا يخضع للحساب الكمي.. لكن المعرفة الموضوعية وتقدمها الكبير حولت الانسان الى فكرة هامشية لا يجب التقرب منها لئلا يسقط قناع الفوز وهذه النزعة الباردة هي التي قتلت انسانية الانسان في الغرب خاصة وحولته الى آلة بلا عواطف ولا مشاعر. ثم جاء زمن الحداثة العلمية وصاحبها هو اسحاق نيوتن وذكر بأن الزمن يجري على نمط واحد في كل مكان وانه باستطاعة الناس الحياة معا وممارسة نشاطاتهم الاجتماعية بالشكل الذي يرضيهم ـ لكن اذا حاولنا تحويله الى امر موضوعي تداعت حتميته وعندها نقع في فلسفة القرن التاسع عشر التي تقول انه لا يمكن تحقيق معرفة خارج اطر الحتمية الطبيعية, فاذا كان العالم حتميا وجب علينا تحديد مستقبلهم ونجاحاتهم وهذه النتيجة هي ما كان يبحث عنها العلم الوضعي للسيطرة التامة على كل ما هو غيبي ان مثل هذه الافكار كانت تشكل ثورة او انقلابا او قطيعة في تاريخ الفكر باعتبار الاغريق يظنون انه توجد ظواهر وراء الظواهر اي ما وراء الطبيعة. وكان يلزمنا مرور اكثر من عشرين قرنا واكتشاف الحساب الكمي لكي نفهم تفاصيل ماجاء به الاغريق من حساسيات ما تختبئ به الاشياء وراء الاشياء او الافكار المثلى كما كان يسميها افلاطون.. وراح التفكير الاوروبي الى استخدام الطريقة الجدلية لكن وبعد فترة من الصراعات (السكولاستيكية) تبنى ضعف المنهج الجدلي الذي لم تفتح نوافذه الى على الشك والغموض. ثم جاء جاليليو بعد ارسطو الذي سخر من افكار افلاطون ليؤكد وجود قوة حسابية وهندسية وراء الكون وهكذا تم الانتقال الى عالم القياس الحسابي الدقيق لرؤية العالم بطريقة موضوعية ولينفتح العقل البشري على (سر المعرفة العلمية الاكثر دقة في حياتنا ككل).