استراحة البيان ، ثروة.. (كابتن) ، يكتبها اليوم: سعيد حمدان

شاهد على الزمن, سارت به السنون, فعاصر تطورات الحياة هنا في دبي والامارات, عندما كانت حركتها بطيئة, وكيف دارت بعد العسر دورات سريعة, صارت ملونة, الوانها عالية الوضوح كأنها لم تكن في يوم ما مجرد صورة جامدة, ضيقة الملامح والمعالم مرسومة بالأبيض والاسود. في زمان البطء ومع الحركة السريعة, كان (كابتن) حاضرا, يمارس الشهادة في كل يوم, وقد تتكرر أكثر من مرة في اليوم الواحد. يكتب هذه الشهادة بلغة مختلفة, متطورة جداً في ذلك الدهر, انه اصدق شاهد, فكلامه صور, والعدسة ناقل لا يكذب ابداً. (محلات كابتن) لوحة صغيرة محفورة بخط اليد, مثبتة على جدار طيني في عمارة قديمة, قامت مع اوائل عمليات التشييد والبناء على جانب الخور, في الطرف الواقع ببر دبي, قرب المدخل الذي تتوقف عنده (العبرات). هذه اللوحة الصغيرة تشاهدها كل العيون بوضوح, فالخور لا ينام والناس فيه مثل الماء, لا يسكنون, لا يتوقفون عن السفر والعودة. يدخلون, يخرجون, يشترون, يأكلون ويحلمون. هو الحياة والازدهار لدبي, انه الشريان والحضارة. ومثلت محلات كابتن جزءاً من حضارة دبي, فالبضاعة التي كانت تباع فيه مختلفة ومتطورة جداً في ذلك العصر, وهو بداية الثلاثينيات, انه يبيع كاميرات ويعرض اوراقاً فيها صور الشيوخ والاهالي والامكنة, مهنته (عكاس). وفي محلاته اشياء غريبة: راديو, مسجلات, تحف.. المشترون والزوار, يذهبون له, يتواعدون عند كابتن.. واصبحت محلاته علامة بارزة, ومعلما في الوصف والتحديد لشخص يريد الوصول الى مكان في المدينة. اما هو (كابتن) فانه شخصية معروفة عند الحاكم والوجهاء وعامة الناس, حضوره جزء من المناسبة, وذلك في استقبالات الحاكم وزياراته الداخلية أو الخارجية. وفي المجلس العامر, كل يوم بالضيوف والموضوعات, ينادونه بالاسم, جميعهم يعرفونه, ويطلب منهم في الاحتفالات الوقوف امامه, للذكرى, يأمرهم بالاصطفاف, عدم الحركة, كتم النفَس, لكي تكون الصورة واضحة, جميلة. الحياة بسيطة, وكابتن يحاول أن يتطور, يتوسع, يكون اكبر من إيقاع ذلك الزمن الذي لا يقدر ولا يفهم الصورة. لهذا فكر ان يحمّل كتفه الايمن معالم عصر جديد, ثورة جديدة ستولد له ثروة من الابداع والمخزون الفني, فالمصور اكبر احلامه لقطة فريدة, هذه ثروته ومتعته وهاجسه. ظلت الكاميرا الفوتوغرافية عنده لا تفارقه, يحملها كتفه الايسر, بينما الكتف الآخر حمل آلة جديدة في حجم زميلتها, إلا انها كانت الاقرب الى قلبه وامام عينه في كل الحالات, ميّزها أن ألبسها غطاء جلدياً فاخراً, وكانت تستحق هذا الدلال, فهذه كاميرا سينمائية, فأن تكون هناك صورة, ومتحركة, هذه اعجوبة في ذلك الزمان لا يأتي بها إلا مثل كابتن. ثروة من الصور والاشرطة سجلها واحتفظ بها كابتن, سيرة أكثر من خمسين سنة للناس والمكان, انها التاريخ, الملامح النادرة لعملية التحول وصورة الحياة, كيف كانت هنا. هذه الثروة ظلت سنوات طويلة محفوظة في صندوق مغلق يملك مفتاحه كابتن وحده, ولا يستطيع احد الاقتراب منها. حاولت عدة جهات وشخصيات الوصول اليها ونسخها, لكنهم فشلوا جميعاً. ومات كابتن رحمه الله, واصبحت العملية اكثر صعوبة, وفقد الذين كانوا يعرفون قدر وقصة هذه الثروة, الامل في ان تخرج للمجتمع. وقبل ايام احتفلت (جمارك دبي) بمرور مئة عام على تأسيسها, فقدمت مفاجآت في يومها الاحتفالي, كان من بينها كتاب مصور يحمل اعمال كابتن. كانت هذه هدية من أكبر واهم الهدايا الثقافية التي قدمت للوطن. ثروة غالية ونادرة بذل الدكتور عبيد صقر بوست مدير عام الجمارك, جهدا في الوصول اليها واخراجها. ولولا هذه المجهودات, وهذا الايمان بأهمية الحصول على هذه الاعمال لكانت خسارة ذاكرة هذا الوطن الكبير كبيرة ولا تعوض. سيرة كابتن, هذه الشخصية التي صنعت وحفظت هذا التاريخ, مجهولة عن كثير من الناس, حتى بعض الذين التقوا به وعرفوه عن قرب. حياته فيها كفاح وتستحق ان تروى, وهذا ما قام به الاستاذ محمد المر في هذا الكتاب القيّم, فقدم سيرة كابتن: كيف ولد عبدالكريم في مدينة لنجة, تعرضه لليتم بوفاة والديه في مرحلة مبكرة من حياته واحتضان جدته له, ذهابه للهند بهدف اكمال دراسته, اجتهاده ومثابرته في طلب العلم جعلاه محل تقدير من اساتذته, فوضعه المدرس مراقبا للفصل, وقال له (انت كابتن الفصل) ومن هنا جاء اللقب والتصق به, واصبح كنية له واسماً يعرف به. ويتحدث محمد المر عن قدوم كابتن الى دبي: في بداية شبابه, مارس العمل التجاري واهتم بالتصوير, كيف كان يجلب مواد طبع الصور من اوروبا ويسهر الليالي في تحميض وطبع الصور, كان ذلك في بداية الثلاثينيات, هذه التقنيات المحدودة والمواد القليلة كانت تتطلب عقلية مبتكرة ومثابرة لكي تعطي نتائج جيدة وصوراً مقبولة وهكذا كانت شخصية كابتن. وتتناول سيرته كذلك علاقته بالمغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله, والارشيف التاريخي الذي سجله عبدالكريم لتطور المجتمع. يبقى هناك جزء مهم من ثروة كابتن, يحتاج الى من يتبناه وهو المواد والاشرطة السينمائية التي سجلها في تلك الحقبة. يحتاج الوطن الى من يحفظ له اوراقه وذكرياته, فكابتن فرد هاو, حفظ هذه الثروة وقدمها في زمن ولأجيال تحتاج لها, لكن اليوم عندنا ثروات تقوم عليها مؤسسات مثل الاذاعات والتلفزيونات والدوائر المختصة بالاراشيف, يفترض ان تكون بامكانياتها وطاقاتها افضل وأكثر حرصاً من المجهودات الفردية لأمثال عبدالكريم كابتن. إلا أن الواقع غير ذلك, ابحثوا عن اي مادة لفترة السبعينيات مثلا, اذا وجدتموها باقية أو صالحة للاستخدام. اخدموا هذا الوطن.. احفظوا تاريخه.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات