اذا تمكن العراق من التخلص نهائيا من قيود الحصار المفروض عليه وفقا لنظام عقوبات دولية, واسترد مكانته كقوة اقليمية فإن المتوقع ان ينشأ تحالف استراتيجي عراقي روسي. والزيارة التي قام بها هذا الاسبوع وزير خارجية روسيا ايجور ايفانوف الى بغداد للمرة الاولى منذ سريان نظام العقوبات قبل عشر سنين ربما تكون اللبنة الاولية لهذا التحالف المستقبلي. وإذا تبلور هذا التحالف الاستراتيجي, كما هو مرتقب, فإنه لا ينبغي ان يثير دهشة أحد. فالعلاقة العراقية الروسية لها تاريخ طويل لعشرات السنين للوراء منذ دخول الاتحاد السوفييتي الشرق الاوسط في عقد الخمسينيات من القرن الماضي. حتى قرب نهاية الخمسينيات كان العراق تحت الحكم الملكي دولة حليفة للغرب ومعادية تماما للاتحاد السوفييتي. و(حلف بغداد) الذي انشأ في عام 1954 بمبادرة بريطانية وشراكة امريكية لتكوين كتلة عسكرية شرق أوسطية تجمع العراق مع تركيا وباكستان كان موجها بالضرورة الى منع تغلغل النفوذ السوفييتي في المنطقة تحت اسم (احتواء الشيوعية) وبالتالي كان موجها ايضا ضد الانظمة العربية الراديكالية آنذاك المصنفة كعدو للغرب ــ وعلى الاخص نظام جمال عبدالناصر. ومع سقوط النظام الملكي في العراق عام 1958 على يد انقلاب عسكري بقيادة اللواء عبدالكريم قاسم بدأ العهد السوفييتي في العراق. وكان (حلف بغداد) اول ضحايا هذا التغيير. فقد تحول العراق من حليف للغرب الى حليف للاتحاد السوفييتي. وعندما وقع هذا التحول كان المنتظر ان ينعقد تحالف اقليمي بين العراق ومصر عبدالناصر تحت المظلة السوفييتية لكن تعقيدات الظروف الداخلية العراقية افضت الى وضع مختلف. فقد كان نظام عبدالكريم قاسم يعتمد منذ البداية على الحزب الشيوعي العراقي كقاعدة شعبية له. وبينما كان هذا ملائما للاتحاد السوفييتي كراع اعظم للحركة الشيوعية العالمية فإنه لم يكن كذلك بالنسبة الى عبدالناصر. كان ناصر, كما هو معلوم, يتبنى نهجا (قوميا) لا مجال فيه لايديولوجية منافسة سواء ماركسية او اسلامية. لهذا وقع صدام بين ناصر وقاسم اتخذت فيه موسكو موقفا مساندا للعراق بطبيعة الحال. وبسبب المعارضة الناصرية الخارجية وتصاعد معارضة داخلية في الساحة العراقية نفسها قوامها خصوم الشيوعية, خاصة القوميين والبعثيين اسقط نظام عبدالكريم قاسم بانقلاب عسكري في اوائل عقد الستينيات. مع ذلك لم تتخذ الانظمة المتعاقبة في العراق موقفا عدائيا تجاه الاتحاد السوفييتي. فإلى حد كبير ظل العراق منذ الستينيات وحتى اليوم يحتفظ بعلاقة صداقة مع موسكو توطدت بسبب ان الاتحاد السوفييتي صار المصدر الرئيسي لامدادات السلاح للعراق كما ان المساعدات الاقتصادية السوفييتية صار لها دور متعاظم في قطاعات الاقتصاد العراقي خاصة القطاع الصناعي. في هذه الاثناء طرأت ظروف اقليمية أدت الى تقوية هذا التحالف. وفي مقدمة هذه الظروف الحرب العراقية الايرانية التي اندلعت في مطلع عقد الثمانينيات واستمرت لمدى ثماني سنين. لقد وقف الاتحاد السوفييتي بقوة, عسكريا ودبلوماسيا الى جانب العراق في هذه الحرب وذلك بسبب تخوف موسكو من قيام الثورة الاسلامية في ايران. فقد كان التوجه الرئيسي للنظام الايراني الجديد آنذاك هو المساواة بين الخطر الغربي والتمدد الشيوعي الماركسي كتحدييين معاديين للثورة. اجل.. انهار بعد ذلك الاتحاد السوفييتي كقلعة للشيوعية العالمية وخرجت الى حيز الوجود روسيا غير الماركسية. لكن العلاقة الثنائية مع العراق القائمة على اسس استراتيجية غير ايديولوجية بقيت. وانطلاقا من هذه العلاقة التاريخية تقف روسيا الآن في مقدمة المطالبين برفع العقوبات عن العراق.