دور (الفكرة) في الصراع العربي الصهيوني ، بقلم: ممدوح الشيخ

على مدى خمسة عقود من تاريخ الصراع العربي الصهيوني, كانت الكفة تميل لصالح الكيان الصهيوني, وعلى مدى هذه العقود الخمسة كان كثير من السياسيين العرب يعتقد أن كوننا أصحاب حق يكفي، لأن ننتصر في هذا الصراع وأن كل ما علينا هو أن ننطلق إلى ميدان النزال. ومع تطور مسار الأحداث عالميا وإقليميا طرأت تغيرات عميقة على وضع الصراع وأطرافه. وقد نجح الصهاينة في إسكات مدافع الجيوش النظامية العربية وإخراج الحرب من سلة البدائل التي يفكر صانع القرار السياسي العربي فيها, وإذا به بعد تجريده من خيار الحرب لا يملك قدرا كافيا من الأفكار التي يستطيع بها أن ينازل عدوه في ساحة المواجهة السياسية. وقد انتبه الصهاينة مبكرا إلى أهمية الفكرة, ويزخر الكيان الصهيوني بعد أكثر من مائة عام من ظهور فكرة هرتزل بعدد ضخم من مراكز الدراسات المتخصصة في الصراع العربي الصهيوني, وهذه المراكز عملها الأساسي تقديم الأفكار لصانع القرار في الكيان الصهيوني. وخلال مسيرة التسوية الممتدة من كامب ديفيد حتى الآن لعب الصهاينة لعبة بسيطة جنوا من ورائها مكاسب ضخمة. ففي كل مرة يفاوضون فيها طرفا عربيا يعرضون عليه مجموعة من الأفكار يعرفون مسبقا أنه يرفضها جميعا وأنها أقل من الحد الأدنى الذي يمكن قبوله, الأمر الذي يظهرها أمام الغرب في صورة الراغب في السلام المحاصر بجيران يصرون على القضاء عليه, وقد نصب هذا الشرك للمفاوض العربي مرات عديدة. وفي المقابل فإن النسبة الأكبر من الجهود البحثية والفكرية التي بذلها باحثون ومفكرون عرب في دراسة الصراع أنفقت في مسارات لا تضيف أي رصيد لصانع القرار العربي, إذ يتوزع معظمها بين جمع المعلومات وتدبيج البكائيات وطمأنة الناس بوعد النصر التي بشر به الإسلام. وقد قدم بن عامي مؤخرا في إحدى العواصم العربية عدة أفكار بشأن القدس, وكانت جميعها لا توفر الحد الأدنى الذي يمكن قبوله, فلما رفضت قال : ( الحلول كثيرة والبدائل أمامكم كثيرة لكنكم لا تريدون حلا سلميا). ولعل ما ينقص باحثينا ومفكرينا أن يقتنعوا بأن بذل الجهد لبلورة أفكار في موضوعات محددة يمكن أن يحدث تأثيرات عميقة في مسار الصراع العربي الصهيوني, فمثلا المفكر القومي الراحل الدكتور عصمت سيف الدولة كان يدعو إلى بذل جهد محوره المطالبة بالغاء قانون العودة الصهيوني وإلغاء هذا القانون يمكن أن يحدث نقلة نوعية لصالحنا, ومما يسر مهمتنا أنه قانون يقطر عنصرية. وثمة موضوعات أخرى مفصلية يمكن إبرازها وصياغة خطاب فكري سياسي حولها, وفي مقدمة هذه الموضوعات كون الكيان الصهيوني حتى الآن بلا دستور. وبالتالي بلا حدود ثابتة, وهو أمر يعطي الحق لكل دولة لها حدود مشتركة معه أن تستخدمها ورقة ضغط مؤثرة. كما أن القانون الدولي يعطي القدس وضع الأراضي المحتلة لباقي الأراضي التي احتلت في عدوان حزيران(يونيو) ,1967 لكنه إلى جانب ذلك أرض وقف وبالتالي لها وضعية خاصة لم يفكر أحد في أن يدرسها ويخرج بنتائج يمكن البناء عليها على أرض الواقع. ومثل هذه الأفكار ينبغي أن يشارك في طرحها معارضو التسوية إسلاميين كانوا أو قوميين فمعارضة التسوية لا تعني عدم السعي للتأثير في مسارها. ولعل انفراد الولايات المتحدة بوضع الوسيط أول ما يحتاج إلى اعادة نظر, أولا : لأنها ليست وسيطا محايدا, وثانيا: لأن في هذا الوضع إخلالا لميزان علاقتنا بالمجتمع الدولي, وتجاهلا لقوى دولية أخرى هي أقل انحيازا للكيان الصهيوني كروسيا والصين وفرنسا. وقد تكون مظلة الأمم المتحدة أكثر حفظا لماء وجه المفاوض العربي.. وغيرها وغيرها من الأفكار. المثقفون المصريون قطعوا خطوة مهمة في هذا السبيل واجتمعت مجموعة منهم من تيارات سياسية مختلفة ليشكلوا عقلا ثقافيا جميعا لا ينشغل بأن يكون رد فعل لما يحدث على أرض الواقع, وهي خطوة إذا كتب لها النجاح والاستمرار ستكون منعطفا مهما في تاريخ الحركة الوطنية المصرية, وستفتح الباب لمزيد من الجهود محورها( الفكرة) لا الفعل, وإن كانا توأمين, وتحتل قضية الصراع العربي الصهيوني قمة جدول الأعمال, وهو ما يبشر بانتقال المثقفين المصريين إلى مرحلة سيكون أداؤهم فيها أكثر نضجا, وبالتالي أكثر قدرة على التأثير. وعندما توجد الأفكار المدروسة بعناية فليس بإمكان صانع القرار العربي أن يتجاهلها بسهولة, وإن فعل فسوف يدفع ضريبة مكلفة في زمن وفرت فيه ثورة الاتصالات للأفكار حرية حركة غير مسبوقة وتأثيرا أوسع, وقد دشن رد الفعل الشعبي العربي المناصر لانتفاضة القدس حالة من التواصل المختلف بين رجل الشارع وصانع القرار, فإذا اكتملت أضلاع المثلث بدور فاعل للمثقفين كانت كفتنا مرشحة لوضع أفضل. كاتب سياسي مصري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات