الانتخابات الامريكية.. نتيجة غير حاسمة ، بقلم: د. شفيق ناظم الغبرا

تحولت الانتخابات التي بدأت منذ اكثر من اسبوع وكان ينبغي ان تنتهي في يوم واحد الى حدث انتخابي مستمر نتج عنه تأخير اعلان نتيجة الانتخابات. فلقد دخلت الولايات المتحدة في ازمة انتخابية هي الأغرب في تاريخها ، الانتخابي. ومن الواضح ان العالم يقف مصدوما امام ما يجري في الولايات المتحدة. فالولايات المتحدة تبدو للعالم من خلال هذه الازمة كدولة فيها سوء استخدام سلطات, وتقع فيها انتخابات تبدو غير ديمقراطية في العديد من جوانبها, وتعاني مما تعاني منه مجتمعات اخرى, وهي معرضة لازمات ومشكلات ومخاسر في ديمقراطيتها وذلك اسوة بغيرها من المجتمعات والدول. ويشعر الامريكيون اليوم بنوع من الضياع والحيرة السياسية نتاج ما حصل, فهناك الكثير من المشاعر والمخاوف في فلوريدا وفي كل منزل امريكي. وقد انعكس كل هذا على الاسواق المالية الامريكية, وهو ينعكس على الاسواق العالمية, فيما نشاهد اليوم صراعا اهلاي امريكيا بلا سلاح وصراعا اهليا سلميا يعكس الانقسام والتأزم حول ذلك الانقسام. وينقص الولايات المتحدة في هذه الازمة وجود مجموعة من الحكماء من الحزبين ممن يقفون فوق الخلاف السياسي بين الحزبين وينقص الولايات المتحدة ايضا وجود رجل دولة يمتلك الاحترام والمقدرة على التأثير. وفي اكبر دولة في العالم كاد مرشح الحزب الديمقراطي للرئاسة آل جور يعلن خسارته وذلك بعد قيامه بتهنئة جورج وتوجهه بموكبه باتجاه تجمع مناصريه. ولولا اتصال احد عناصر آل جور بواسطة النقال الذي وصله خبر عدم حسم الانتخابات بينما كان لوحده في المقر الانتخابي الديمقراطي لكان آل جور قد اعلن خسارته. هذا الاتصال اوقف خسارة آل جور وبدأ مع ذلك التطور الصراع العلني على نتائج الانتخابات. وقد لعبت وسائل الاعلام الامريكية دورا خطيرا في الانتخابات الامريكية. اذ اعلنت فوز آل جور في فلوريدا في البداية مما خلق حالة سلبية في معسكر بوش وبين افراد عائلته خاصة وان حاكم ولاية فلوريدا هو الاخ الاصغر لجورج بوش. هذا الاعلان سبب لمعسكر بوش الكثير من المخاسر في ولايات الغرب لانه احبط الجمهوريين هناك ونشط الديمقراطيين اثناء العملية الانتخابية, ويزداد هذا الامر اهمية عندما نعلن ان فارق الوقت وهو ثلاث ساعات بين فلوريدا وولايات الجنوب يعني انه في وقت اغلاق الصناديق في فلوريدا تكون الصناديق امامها ثلاث ساعات قبل الاغلاق في الولايات الغربية وكاليفورنيا. ويمكن الجزم بأن بذور الفتنة التي انتجت انتخابات امريكية بلا نتيجة حاسمة وواضحة بدأت مع قضية لونيسكي والتحقيق مع الرئيس كلينتون ومحاولة خلعه عام 1998 فمن تلك النقطة تسممت الاجواء بين الحزبين في الولايات المتحدة وسقط الاجماع على مبادىء الوسطية السياسية والاعتدال. ان محاولة خلع كلينتون ساهمت في اخراج الولايات المتحدة عن وسطيتها وخلق الكثير من الاجواء التنافسية والحزبية التي تسعى للشد باتجاهات متناقضة متصادمة لم تأخذ المصلحة الامريكية العامة بعين الاعتبار. ان الانشقاق الذي بدأ مع قضية لوينسكي هو ذاته الذي استمر مع الانتخابات الامريكية, لقد صوت الامريكيون في هذه الانتخابات دون ان يكونوا متحمسين لأي من المرشحين فقد فقدوا الكثير من الثقة بالسياسة وبالسياسيين. وقد نظروا للتنافس في هذه الانتخابات على انه بين المرشح الذي يمتلك الشخصية المحببة وتنقصه المعلومات والخبرة وبين المرشح الذي يمتلك المعلومات والخبرة ولا يمتلك الجاذبية الشخصية. تمنى الامريكيون لو وجدوا محلولا يضع لهم جور وبوش في قالب واحد. اذن امريكا انتخبت دون ان تكون ميالة لهذا او ذاك كما انها انتخبت في ظل اجواء سلبية حول المرشحين لهذا جاءت النتيجة متساوية. ويستمر الانقسام ذاته اليوم في الاختلاف على نتيجة الانتخابات وفي الاختلاف على الاصوات واعادة عد الاصوات, وفي الاختلاف على القانون الذي يفسر نتائج الانتخابات وكيفية عد الاصوات في بعض مقاطعات فلوريدا كما ويستمر الخلاف في ولايات اخرى لم تحسم نتيجتها بعد, وما زالت عمليات اعادة العد ممكنة في ولايات اخرى. ان هذا الوضع يمهد من الآن الطريق لرئيس ضعيف, فبطبيعة الحال سوف يواجه الرئيس الجديد الكثير من المعوقات في ممارسة صلاحياته ومهامه, فهو لن يمتلك الدعم الشعبي المطلوب لتنفيذ برامجه وسيقع عليه عبء كبير في السعي لبناء الوسط العام. لقد طرحت احداث الاسبوع الماضي الكثير من الاسئلة حول وضع الديمقراطية في اهم ديمقراطية في العالم, وطرحت تلك الاحداث العديد من الاسئلة حول وضع الولايات المتحدة في الادارة العالمية وحول موقعها ودورها ومستقبلها وانعكاس ذلك على القضايا الملتهبة في منطقتنا. استاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت

طباعة Email
تعليقات

تعليقات