بدأ الانسان منذ أن خلفه الله سبحانه وتعالى في البحث عن الحاجات الأولية التي تهيىء له ظروف العيش ضمن جماعة, كالملبس والمسكن والمشرب. ويعتبر المسكن وسيلة أمن وحماية للإنسان القديم, إذ أنه ما كان ليستطيع العودة إلى كهفه الذي يحميه من الوحوش إذا لم يعرف الطريق, وما كان ليعرف الطريق إذا لم يتخذ من الظاهرات الجغرافية الموجودة في بيئته علامات يهتدي بها. لذا يمكن القول, إن الجغرافيا بدأت كنوع من المعرفة لازم وجود الإنسان منذ أن ظهر على سطح هذا الكوكب, واتخذ منه مكانا لسكنه, واسترشد بالجبال والتلال والأنهار في حله وترحاله. ومع مرور الزمن تزايدت المعرفة الجغرافية وأصبحت لها قوانينها وصارت علماً. وتفرع عن علم الجغرافيا فروع عديدة أحدثها (الجغرافيا التطبيقية) التي ظهرت كفرع مستقل في المؤتمر الجغرافي الذي عقد في لندن سنة 1964م والذي وضح فيه تماماً انسلاخ الجغرافيا التطبيقية التي أخذت تثبت جدواها في كثير من الميادين, ومن هذه الميادين الجغرافيا العسكرية. الجغرافيا والانتفاضة الفلسطينية : ترجع جذور العلاقة بين الجغرافيا والانتفاضة الفلسطينية منذ تحالف الصهيونية مع الأستعمار الغربي القديم والحديث, ومن أبرز الأدلة, دعوة نابليون بونابرت لليهود بالهجرة إلى فلسطين وتأسيس دولة يهودية فيها, وذلك في أثناء غزوه لمصر وفلسطين عام 1798م / 1799م. وجاء بعده أبرز رجال السياسة الذين شجعوا اليهود على ذلك, أمثال بالمرستون شافتزبري, وديزرائيلي, وجوزيف تشامبرلين, وتشرشل, وبلفور, وترومان, ممن تبنوا هذه الفكرة الصهيونية القائمة على إيجاد وطن قومي لليهود, وظهرت في مطلع الستينات من القرن التاسع عشر دعوات المفكرين والكتاب اليهود, للعمل من أجل العودة إلى فلسطين واستعمارها مثل, هيرش كاليشر, وليون بينسكوثي وتيودور هرتزل. ونجح الأخير في جمع يهود العالم في مؤتمر بال بسويسرا عام 1897م ونادى بإقامة الدولة الصهيونية. ولاقت الأطروحات الصهيونية استحسان القوى الاستعمارية في تلك الفترة في الوقت الذي تزايدت فيه أعداد المهاجرين من اليهود إلى فلسطين وحظوا بمساحة جغرافية واسعة, وتزايدت معها مخاوف الشعب الفلسطيني, مما أدى إلى وقوع انتفاضة فلسطينية ضد الصهاينة في عام 1910م, وسجن على أثرها عدد لايستهان به من العرب الفلسطينيين لرفضهم إخلاء أراضيهم لليهود. وعلى الرغم من الجهود العربية الحثيثة لمقاومة الصهيونية, فإنهم لم يستطيعوا تحقيق النصر. ولما كانت المعارك التي حدثت بين الفلسطينيين والصهاينة عبارة عن التقاء قوتين بشريتين على مسرح إما أن يكون رقعة من الأرض, أو مسطحاً مائياً, أو قد تكون في الجو, فإننا في هذا المقال سوف نتناول عناصر الموضوع على النحو التالي : أولاً : العوامل البشرية: يعتبر الإنسان أهم ثروة وأعظم مخلوق على سطح الكوكب, وبدونه لايمكن استغلال أية ثروة طبيعية أخرى. إن البترول والفحم الحجري والثروات الزراعية والمعدنية المختلفة لا قيمة لها بدون استغلال الإنسان لها. ولقد وجدت مختلف الثروات الطبيعية وخاصة الزراعية على سطح الأرض الفلسطينية منذ أمد بعيد دون أن يلتفت إليها أحد. وعندما بدأ الانسان الفلسطيني في استغلال بعضها زادت قيمتها كما وكيفا ونوعاً, مما أدى إلى تكاثر التداعيات الاستعمارية على فلسطين نتيجة تزايد الثروات الطبيعية ! ومما سبق نلاحظ أن العوامل البشرية في الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني تكمن في مجموعة من العناصر سنوردها على النحو التالي : 1ـ عدد السكان: لقد مر تاريخ فلسطين الإسلامي منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه, بأمن واستقرار سياسي واقليمي وديني, وكان الإنسان ينظر إلى الآخرين على أنهم أخوانه بالدين ويشاركهم في الحصول على عناصر حياته من مأكل ومشرب وغنائم. وبعد انتهاء العصر الراشدي, سرعان ما قامت الدولة الأموية التي استطاعت الحفاظ على تلك البقعة المقدسة بنفس المنهجية. وحينما انتقل مركز الحكم إلى العراق بمجيىء العباسيين, لم تعد فلسطين تتأثر بالخلافات السياسية, ولكن حرمتها ازدادت وترسخت, واستمرت القدس سبباً في إذكاء روح الجهاد في الفترة الأيوبية بالرغم من تعرضها للمشاكل, ولما جاء المماليك اهتموا أيضاً بعمران المدينة وبالمقدسات فيها, وبإنشاء المدارس وتخصيص الأوقاف, وكذلك استمر العثمانيون في العناية بها والإكثار من المؤسسات التعليمية والخيرية فيها, وتخصيص الأوقاف الكثيرة لها. وهكذا, كانت القدس وسكانها الذين يفوقون إية جالية أخرى في مأمن بعد مجئ العثمانيين في بداياتهم. ولكن بعد استيلاء إبراهيم باشا على الشام, فتح المجال للإرساليات التبشيرية, وفتح الباب لإحداث قنصليات بدءاً من عام 1838م وصارت ساحة للمنافسة بين الدول الأجنبية باسم حماية المسيحيين. ومن هنا بدأ تفكيك العنصر السكاني الفلسطيني بواسطة الأخطبوط الإسرائيلي, وبالأخص سلب الأراضي والمقدسات, فكانت فاجعة عام 1948م هي الشرارة الأولى لعملية الاستيطان الفعلي وزيادة عدد اليهود بعدما كانت أغلبية الأحياء والضواحي والبلديات عربية الوجه واللسان. ومن البديهي أن الأفواج الهائلة من اليهود التي جلبت من مختلف أنحاء أوروبا وأمريكا وآسيا وأفريقيا, تمتعت بحماية لم يسبق لها مثيل في التاريخ الحديث والمعاصر من قبل إسرائيل, مما أدى أن يكون لتلك الجاليات الغلبة في جميع المجالات وفي مقدمتها المجال العسكري. وأعني تسليح المستوطنين! وبالتالي انعكس هذا الوضع التعسفي انعكاساً مباشراً على الهيمنة العسكرية الجغرافية على فلسطين وضواحيها. لذا يمكن القول أن عدد سكان إسرائيل الذي تزايد بشكل رهيب وغريب, أعطى فرصة لتكوين جيوش نظامية كبيرة, كما أن نسبة الأحتياطي تكون عالية في ظل غياب اللاجئين الفلسطينيين الذين يفوقون عدد سكان إسرائيل بشكل عام. إن شعب مثل الشعب الفلسطيني في وقتنا الحالي يملك الإرادة والعزيمة في انتفاضته الحالية, وإذا أرادت الشعوب العربية لهذا الشعب الصمود في وجه العدو, فلابد من تغذيته بالرجال والعتاد اللازم. بينما إسرائيل يمكنها الصمود, لإنها تخطط لحروب خاطفة تعتمد على المباغته والخداع . وصفوة القول إن كثرة عدد السكان في أي بلد يمثل حاجزاً بشرياً يعوق تقدم الجيوش المتقدمة, وهذا ما ترمي إليه إسرائيل في وقتنا الحاضر, بإنشائها المستوطنات المختلفة في صحراء النقب وأجزاء كبيرة من الأراضي المحتلة. 2ـ القانون: وضعت القبائل الكنعانية والآشورية والكلدانية التي وفدت إلى فلسطين منذ أقدم الأزمنة قوانين تعارفت عليها لتنظيم حياة أفرادها. اثبتت بعض تلك القوانين جدارتها واحترامها وعاشت أمداً طويلاً. وجاءت الأديان السماوية لتؤيد هذه العادات والقوانين الداعية إلى الخير وتضيف إليها المزيد ولتقضي على غير المناسب منها. ثم جاءت الدول والتنظيمات السياسية المختلفة ووضعت القوانين والشرائع ومن الدول تلك اليونان والرومان, وظل السكان العرب في فلسطين يمارسون حياتهم الطبيعية على أرضهم رغم توالي موجات الغزو. وفي القرن السابع جاءت دولة الإسلام التي اهتدت بهدى قانون سماوي أشاع السعادة بين أبنائها ومكنتهم من السيطرة على مساحات كبيرة من سطح فلسطين التي أصبحت جزءاً من الدولة الإسلامية إلى يومنا هذا, حسب القانون الإسلامي. 3ـ العقيدة: لم تكن الكثرة في العدة والعدد للجيوش هي العامل الحاسم في تحقيق النصر, بل كان إيمان أفراد الجيش بالهدف الذي يقاتلون من أجله كنشر دعوة أو الذود عن حمى الوطن أو الموت في سبيل الله ذا أثر كبير في تحديد مصير المعارك. وكم من فئة قليلة مؤمنة بمبادئها غلبت فئة كبيرة بإذن الله. ولقد تمتع الجندي في الجيش الإسلامي باحترام شديد من قبل قواده المباشرين وغير المباشرين وذلك نظراً للمهام الجسام التي كانت ملقاة على عاتقه في نشر رسالة الإسلام بالإضافة إلى قلة عدد الجنود المسلمين وضخامة أعداد جيوشهم. لذا فإننا نجد التاريخ يعيد نفسه على مختلف المستويات في فلسطين, فقد حرص شبان الإنتفاضة الفلسطينية منذ 1987م على حماية رسالة الإ سلام وقدموا ما في وسعهم لحماية المسجد الأقصى. وها هو الشهيد محمد جمال الدرة وأخوانه الآخرون يضربون أمثلة رائعة باهتمامهم في المقدسات الإسلامية والأراضي الفسطينية, في الوقت الذي يستغل بعض القادة الإسرائيليين مثل شمعون بيريز ونتانياهو وشارون وايهود باراك عقيدة الشعوب نحو تحقيق أهدافهم, وعلى سبيل المثال, نذكر ما لجأ إليه شارون حين قدم إلى المسجد الأقصى 28 سبتمبر 2000م, لقد درس هذا المتعجرف نفسية الشعب الفلسطيني, وعلم أن ذلك الشعب شديد التمسك بدينه وعقيدته الإسلامية, لذلك فإنه تظاهر بالزيارة لكي يخدع الفلسطينيين ويؤلبهم ضد الشعوب العربية الإسلامية والقيادات الفلسطينية المختلفة, ولكن حساباته باءت بالفشل فقد اشعلت انتفاضة الأقصى فتيل المقاومة الأبدية من أجل تحرير فلسطين. انتفاضة نوعية وفي هذه الأيام لم يعد النصر مرتبطاً بكثرة تعداد الجيوش بقدر ما هو مرتبط بأمور أخرى وهي ما نلاحظه في تراب أبناء فلسطين, ومن أهمها ما يلي: 1ـ درجة التعليم والوعي الديني عند شبان الانتفاضة. 2ـ سلامة أجسام شبان الانتفاضة. 3ـ مقدرة الشبان على استغلال ضعف الخامات الموجودة في ميدان المعركة الإسرائيلية. 4ـ مقدرة الشبان والقادة وزعماء الحركات الإسلامية بفلسطين على جمع المعلومات عن الإسرائيلين. 5ـ استعمال العبوات الناسفة والاستشهاد في الوقت المناسب. وسوف نناقش بعضاً من هذه الأمور ونعالجها باختصار كما يلي: 1ـ درجة التعليم والوعي الديني عند شبان الانتفاضة: بالرغم من تقدم أساليب الحرب والابتكارات الإسرائيلية الحديثة في دنيا السلاح, إلا أن شبان الانتفاضة الفلسطينية في أي قطاع من قطاعات الانتفاضة سيبقون سادة الميدان. والشبان المتعلمون المثقفون, إذا ما كانوا متعادلين مع خصومهم الإسرائيلين في كل الأمور, عدا العلم والثقافة, فإن الغلبة والنصر تكون في صف الشاب المتعلم المثقف, الذي يعرف أمور دينه ودنياه. إن الشبان الفلسطينيين المتعلمين المتدينين يقدرون قيمة سلاحهم, سواء أكانت حجارةً أو مسدساً بسيطاً, الذي في أيديهم ويحافظون عليه ويستخدمونه في الوقت المناسب. 2ـ سلامة الجسم: لقد قيل (العقل السليم في الجسم السليم). وأجسام شبان الانتفاضة الفلسطينية أمانة في أعناق الأمة العربية التي تستطيع أن تساهم في بنائها وتقويتها بالتغذية الكافية المناسبة والتمرينات المتواصلة وشغل أوقات الفراغ بما ينفع. إن الغذاء الصحي المتكامل ضروري لجسم الشبان الفلسطينيين لأنه يزودهم بالطاقة اللازمة للقيام بمواصلة صمودهم في وجه العدو الصهيوني, كما أنه يساعد على نمو الجسم وبناء الأنسجة التالفة. بالإضافة إلى ذلك فإن الغذاء الجيد يكسب الشبان مناعة كافية ضد بعض الأمراض.وقوة عضلات الشبان أمر هام وهي لازمة لرمي الحجارة. وتبرز أهميتها عندما تتقابل مع العدو الصهيوني وجهاً لوجه وتسكت الأسلحة الحديثة ويرجع الجنود إلى استعمال السلاح الأبيض. 3ـ مقدرة الشبان على استغلال ضعف الخامات الموجودة في ميدان المعركة: عندما دخلت الولايات المتحدة الأمريكية الحرب في فيتنام بداية الستينات ظنت بأن قواتها الكثيرة العدة والعدد ستخضع الفيتناميين في مدة وجيزة, ولكن شيئاً مثل ذلك لم يحدث. وكذلك الحال للجيش الإسرائيلي في الجنوب اللبناني الذي استعمل أسلحته الجبارة ومعظم ما في جعبة قواده من خطط ومهارات عسكرية ولكن الحظ في النصر لم يحالفهم وانسحبوا منكسين رؤوسهم بواسطة ضربات حزب الله. وهناك أسباب كثيرة حالت بين الأمريكيين والإسرائيليين وبين النصر ولامجال لمناقشتها في هذا المكان. ولكننا نذكر ما يهمنا فقط منها وخاصة كمثال ما له علاقة بموضوع المقال. لقد ارتكزت استراتيجية الإسرائيليين على تحطيم مقاومة الانتفاضة الفلسطينية بشتى الطرق, بغض النظر عما إذا كان ذلك يعني إبادة الفلسطينيين واستشهاد الآلاف منهم وأهلاك حرثهم ونسلهم وهدم بيوتهم, في حين أن استراتيجية الفلسطينيين ركزت على ابعاد أكبر عدد ممكن من المقاتلين الإسرائيليين عن ميدان المعركة أما بواسطة أصابتهم أصابات مباشرة أو على الأقل ذهابهم إلى المستشفيات بقصد العلاج لاطول مدة ممكنة. واستغل الفلسطينيين الكثير من الخامات الموجودة لديهم فصنعوا النياطة (المعاول) من المطاط والخشب والأسلاك وعمدوا إلى تدبيب رؤوس الحجارة وغرسوا في الممرات الضيقة التي يمر فيها الجنود الإسرائيليين الكثير من العبوات الناسفة. ولقد أمد الإسرائليين الفلسطينيين بطريقة غير مباشرة بالاسلاك الشائكة التي تنتشر في كل مكان أو من الأسلاك التي كانت تربط بها صناديق ذخائرهم وتمريناتهم, لقد استغل شبان الانتفاضة الكثير من نفايات الإسرائليين كعلب الصفيح والزجاجات الفارغة والحبال والأسلاك وغيرها في استعمالاتهم المدنية والعسكرية. وهذا كمثال بسيط وغيره من الأمثلة الأخرى يؤكد لنا مدى أهمية معرفة شبان الانتفاضة لاستغلال الثروات الطبيعية والخامات البيئية المختلفة وتسخيرها من أجل النصر للانتفاضة الفلسطينية. ثانياً ــ العوامل الطبيعية: وتتمثل هذه العوامل في عدة مظاهر أهمها الموقع ومظاهر السطح ومدى أهميتها لشبان الانتفاضة وكيفية وإمكانية استغلالها من أجل الحصول على الدفاع عن النفس والوطن بأقصر الطرق وأقل التكاليف من حيث الأرواح والأموال. ولما كانت المعارك الحربية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي ترتبط بأماكن معينة هي مسارح تلك المعارك والعمليات, فإن الأستفادة من خصائص هذه المسارح الجغرافية تتيح لقادة الطرفين إدارة المعارك بنجاح. وبالفعل هذا ما سعى إليه الفلسطينيون والحركات الإسلامية في بداية الانتفاضة الأولى واستطاعوا أن يستغلوا المسرح الجغرافي في داخل المستوطنات والمواقع الإسرائيلية وذلك بواسطة العمليات الاستشهادية. وفي المقابل أيضاً هذا ما سعى إليه الإسرائيليون في الانتفاضة الثانية ضد حركة فتح, إذ أنهم احسنوا الاستفادة من الظروف الجغرافية لميدان المعركة واستطاعوا في 9 نوفمبر 2000م بواسطة مروحياتهم في بلدة بيت ساحور القريبة من بيت لحم تفجير سيارة أحد قادة حماس. وحينما نرجع إلى الواقع التاريخي لعرب فلسطين, نلاحظ أن الذين قاموا بحركة النضال السياسي في بداية العشرينا ت من القرن العشرين, أبدوا أهتماماً كبيراُ للتعرف على كل الظواهر الطبيعية والبشرية لميدان المعركة التي تبدأ في القدس أو يافا ثم يخططون لها بنفس المنهجية في حالة أمتدادها إلى باقي أنحاء فلسطين. ويذكر أن قادة الثورات الكبرى في الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين (عزالدين القسام و عبدالقادر الحسيني), قد أكدوا كثيراً على أهمية معرفة هذه الظاهرات من قبل المحاربين حتى لايؤخذوا على حين غرة وحتى لايكونوا أمام خصمين عندما تدور الدائرة, عددهم وجهلهم بطبيعة أرض المعركة. إن معرفة الشبان الفلسطينيين لأرض المعركة تعتبر من أهم الأمور التي تكفل لهم الوصول إلى ما يصبون إليه, ومما يذكر في هذا المجال ما قام به شبان انتفاضة الأقصى بتاريخ 11 نوفمبر 2000م بقنص أحد جنود الأحتلال في عنقه بمدينة بيت لحم واصبحت حالته ميئوساً منها. وميدان المعركة ليس إلا مكاناً, وللمكان في عرف الجغرافيين شخصية لها ملامح طبيعية وبشرية. وليست شخصية هذا المكان مجرد مجموع من هذه الخصائص الطبيعية والبشرية بل هي نتاج تفاعل مستمر بين الإنسان والظروف الطبيعية الممثلة في الموقع والسطح والمظاهر الطبوغرافية , والمناخ بعناصره, من حرارة ورطوبة ورياح وسحب, والنباتات الطبيعية سواء أكانت أعشاباً أم غابات. ولكل عنصر من عناصر البيئة الطبيعية أساليب الأستغلال العلمية الكفيلة بتسخيره في خدمة المعارك الفلسطينية ضد العدو الإسرائيلي, وفيما يلي بعض النماذج الكفيلة بتوضيح ذلك : 1ـ الموقع : للموقع أهمية كبيرة تحددها عوامل متعددة منها استراتيجية الموقع ومدى تحكمه في الطرق, أو الممرات البحرية وعلاقته بالدول المتحاربة. وعلى سبيل المثال, أعلنت إسرائيل منذ أحتلالها فلسطين أنها ستحتفظ بقاعدة (يافا) ذات الأهمية البحرية لتأمين ملاحتها في الشرق الأوسط, إلا أن هناك خطوط حمراء لاتستطيع ان تتجاوزها البحرية الإسرائيلية وخاصة في بعض المناطق الحيوية مثل مضيق باب المندب وقناة السويس إلا بتصريح رسمي من الحكومتين اليمنية والمصرية, وذلك من واقع أحكام سيطرة العرب على مضيق باب المندب وقناة السويس اللذان يعدان منفذاً لهما للإتصال بجنوب أفريقيا. وكثيراً ما يجلب الموقع الجغرافي المشاكل للدولة الفلسطينية التي تتمتع بمواقع ذات أهمية حربية.إذ كانت أهمية موقعها سبباً في تنافس القوى الأستعمارية عليها منذ أقدم عصور التاريخ. ولهذا فقد ساعدت الدول الاستعمارية على قيام دولة إسرائيل في قلب الأمة العربية لتكون حاجزاً يحول دون امتداد وتلاحم الدول العربية الآسيوية والافريقية, لقد أرادها المستعمرون حاجزاً يعوق اتصال الجناح العربي الآسيوي بالجناح العربي الأفريقي. ولقد أدرك القادة الإسرائيليون أهمية السيطرة على جزر البحر المتوسط القريبة من ساحل بلاد الشام, وذلك من أجل الدفاع عن حدود دولتهم المزعومة, إذ أن المدن الساحلية كانت دائماً هدفاً استراتيجياً لغزوات اساطيلهم البحرية وهجماتهم المباغتة على فلسطين وسواحلها, فرأى القادة أن الدفاع عن المدن الساحلية يتطلب الحماية البعيدة عن طريق احتلال الموانئ الصغيرة والقريبة من السواحل ووضع حاميات للرصد والإنذار على أرضها, وعن طريق أساطيل إسرائيلية تتجول باستمرار أمام السواحل لرد أي هجوم عليهم. وإلى جانب ذلك كله تكون هناك حامية قريبة تتمركز في المدن الساحلية. وقد لاحظنا كل ذلك حينما قامت البحرية الإسرائيلية المتمركزة في عرض البحر بقصف ميناء غزة, في الوقت الذي كان يساندها مروحيات تابعة لسلاح البحرية التي قصفت بدورها المدنيين العزل في قطاع غزة ورام الله وكانت ردود الأفعال الفلسطينية ضعيفة جداً من ناحية الموقع الجوي, إذ أنهم لا يملكون صواريخ مضادة للطائرات للرد, مما أدى إلى اختبائهم في مناطق معزولة خوفاً من تضاعف عدد الجرحى. بينما نلاحظ أنه سرعان ما يعود شبان الانتفاضة لمواقعهم البرية في حالة توقف القصف الجوي الإسرائيلي. 2ـ مظاهر السطح: من المعروف أن مظاهر السطح وطبوغرافية ميدان المعركة لها تأثير على سير المعارك. فمثلاً نجد الجبال والحواجز الجبلية الطبيعية تمثل عقبات في وجه الجيوش الغازية وكثيراً ما استغلت إسرائيل الجبال المطلة على خليج العقبة وخليج السويس عندما كانت طائراتها المغيرة على الضفة الغربية وقطاع غزة تطير على ارتفاع منخفض فوق هذين الخليجين حتى لاتظهر على شاشات الرادار خلال معارك سنة 1967م و 1973م. أما المناطق السهلية ففيها قمم مرتفعة ومنخفضة تتيح سهولة في الحركة ويسراً, كما تسمح بمدى بعيد للمدفعية. وعموماً, فلو أخذنا على سبيل المثال مستوطنة (ترميت) وسط مدينة رفح الفلسطينية في قطاع غزة, وما يقوم به شبان الانتفاضة والحركات الإسلامية نحو هذه المستوطنة فسوف نلاحظ, أن ضباط الجيش الإسرائيلي يقومون باستعدادات خاصة قبل التحرك نحو موقع ترميت, والسبب في هذه الاستعدادات ليس رداءة الطقس بل الخوف من رجال (التنظيم) الجناح العسكري لحركة فتح ومن سكان المدينة أيضاً الذين يكمنون للجيش الإسرائيلي طوال اليوم مما أدى إلى إجبار القوات الإسرائلية على التحرك فجراً. وقد قال قائد كتيبة برفح ويدعى (داني) لصحيفة معاريف: لكي نصل من المعسكر للموقع الأمامي داخل رفح لن نستغرق من الوقت 5 دقائق في الظروف العادية, لكن منذ اندلاع انتفاضة الأقصى نستغرق 50 دقيقة بسبب الطرق الألتفافية والمواجهة التي يخطط لها الفلسطينيون, بالإضافة إلى قطع الطريق بكتل خرسانية ووضع المتظاهرين عبوات يشتبه في كونها متفجرات. ويعتبر موقع رفح الذي يقع في قلب مدينة المعسكر الإسرائيلي وعلى جانبيه حدود فلسطينية ومصرية, من أفضل المواقع لرمي الزجاجات الحارقة على الإسرائيليين في مواقعهم مما أدى إلى عدم السماح للفلسطينيين بالاقتراب لاقل من 40 متراً حتى ولو كانوا يحملون حجارة فقط! وإذا أطلق البعض رصاصاً من بعيد على الإسرائيليين يتم على الفور الرد عليه, لكن مع هذا نجح الفلسطينيون عدة مرات في الوصول إلى مدخل الموقع وقذفوا قنابل يدوية وزجاجات حارقة لاتزال روائحها تفوح حتى الآن داخل الموقع الإسرائيلي. 3ـ المناخ: يقصد بالمناخ حالة الجو بعناصره المختلفة من حرارة ورياح وسحب وأمطار. والحرارة مثلاً تتطلب من شبان الانتفاضة ملابس خاصة, أي إذا كانت الانتفاضة في فصل الصيف, فإن ذلك يفرض عليهم ارتداء ملابس خفيفة. وإذا جاء فصل الشتاء, فإن ذلك يتطلب منهم ملابس صوفية. وبالفعل هذا ما نلاحظه لنوعية الملابس التي يلبسها شبان الانتفاضة منذ 1987م إلى يومنا هذا, بالرغم من الظروف الإجتماعية القاسية. ومن المعروف ان لدى الجيش الإسرائيلي بضعة عشر انواع من الملابس التي تناسب أنواع المناخات المختلفة في العالم. أما بالنسبة للرياح فلعل دورها كبير في حمل الغازات السامة والإطارات المحروقة ولعبوات الناسفة. ولقد استغل شبان الانتفاضة الأولى والثانية الرياح كسلاح في مهاجمة الإسرائيليين, إذ أنهم ينتظرون الأوقات التي تهب فيها الرياح ويهبون معها إلى مناطق المعركة فيشعلون النار في الإطارات ويضيفون إليها بعض الكيروسين أو المواد التي تؤدي إلى تصاعد غازات وأبخرة سامة. ومن المعروف ان اتجاه الرياح قد ساعد شبان الانتفاضة في كثير من المعارك مع الصهاينة وخاصة في استخدام العبوات الناسفة التي راح ضحيتها العديد من الإسرائيليين. وفي المقابل, استغلت القوات الإسرائيلية الرياح في معاركها مع الفلسطينيين, وذلك باستخدام الغازات السامة التي يقتل بعضها والبعض الآخر يصيب الإنسان بالعجز المزمن. ولكن في كثير من الاحيان يستغل شبان الانتفاضة رؤوس هذه النوعية من الغازات بالرد على التجمع الإسرائيلي فوراً وخاصة في شدة الرياح المعاكسة. وقد يبدو دور السحب واستغلالها في المعارك ضئيلاً لأول وهلة, إلا أن من يتتبع المعارك المختلفة منذ عام 1948م حتى يومنا هذا بين الفلسطينيين والإسرائيليين, يتضح له أن السحب كانت أقنعة وأغطية حمت المواقع الفلسطينية من الغارات الجوية الإسرائيلية في أكثر الأحيان. ومن تتبع المعارك الحديثة بين الطرفين أيضاً, نجد أن معارك شبان الانتفاضة لاتنقطع طوال الموسم, حيث يسود الانتفاضة حركة المد والجزر, فموسم الأمطار والسحب في فصل الشتاء خصصه الفلسطينيون لشن هجماتهم أكثر من أي فترة أخرى وذلك لعجز الطيران الإسرائيلي في هذا الفصل عن أداء دوره بنجاح تام بسبب كثرة الغيوم, كما أن الدبابات والسيارات الإسرائيلية تجد صعوبات كبيرة في الحاق الأذى بالأطفال والشبان الذين يقذفون الحجارة والعبوات الناسفة وذلك بسبب الأوحال التي تنجم عن غزارة الأمطار فوق تربة رسوبية طينية وخاصة في منطقة غزة المزدحمة بالسكان. ولكن في المقابل, تخصصت القوات الإسرائيلية بشن هجماتها على الفلسطينيين والحركات الإسلامية المناهضة لها في فصل الصيف وهو فصل الجفاف وندرة السحب, الأمر الذي مكنها من استغلال أسلحتها بنجاح نسبي. ويمكن أن تستغل النباتات الطبيعية في الحروب, وفق طبيعتها, فمناطق الغابات تمثل دائماً ملاجئ يلجأ إليها الوطنيون إذا ما هوجموا كما حدث في فيتنام, وفي كينيا, بينما تمثل مناطق الأعشاب مناطق مكشوفة. ومما يذكر أن أهم ما ساعد الجيش الإسرائيلي على احتلال صحراء النقب وتشريد سكانها وإحلال المستوطنات, هو افتقارها إلى الغطاء النباتي الطبيعي. لقد كان بالإمكان تشجير مساحات شاسعة من تلك الصحراء بأشجار الأثل والخروع نظراً لأن منسوب الأمطار السنوي يكفي لنمو هذين النوعين من الأشجار. ولكن شيئاً من ذلك لم يحدث بشكل ملموس في الماضي والحاضر وبقيت النقب مكشوفة. وبالطبع لو كانت هناك اشجار كافية لكان بالإمكان التجاء السكان إليها حتى يصعب أكتشافهم من الطائرات, ولكانت تلك الأشجار خير ساتر لأقتناصهم. بالإضافة إلى ذلك فإن ظلال الأشجار لها قيمتها للسكان خاصة خلال فصل الصيف حينما تشتد حرارة الشمس. هكذا يتضح لنا أن الظروف والعوامل الجغرافية التي سادت في المعارك بين شبان الانتفاضة الفلسطينية والعدو الصهيوني تقع ضمن مجهولات العديد من الناس الذين لم يشعروا بإن إمكانيات الشبان الفلسطينيين فاقت كفة الإسرائيليين في مواقع كثيرة. كما أن نفسية الصهاينة وعاداتهم ومقدراتهم تحبط حينما يحمل طفل فلسطيني الحجر لمواجهته وخاصة في الظروف المناخية الصعبة. لقد أصبحت دراسة ظروف البيئة الجغرافية واستغلالها من قبل شبان الانتفاضة ضد العدو الصهيوني فرعاً جديداً من الجغرافيا التطبيقية هي الجغرافيا العسكرية. ولم يعد استغلال ظروف البيئة مجرد اجتهاد شخصي يختلف من شخص لآخر.. بل أصبح علماً له أصوله التي تستند إلى دراسات عملية ميدانية خاضتها الانتفاضة الفلسطينية ودفعت اثمانها غالية من أرواح ابنائها ومن مواردها المختلفة. وبإختصار يمكن القول بأن الجغرافيا العسكرية هي فن استغلال الظروف البيئية في خدمة المعارك الحربية. كاتب وباحث من الامارات