استراحة البيان ، ذكريات شاجية ، يكتبها اليوم: جابر عصفور

أذكر عودتي مكتئبا إلى منزلي في أول يوم ذهبت فيه إلى الهيئة العامة للتأمينات والمعاشات, بعد إبعادى وزملائى من الجامعة نتيجة قرارات السادات الشهيرة في سبتمبر سنة ,1981 فقد أصبح عليَّ أن أذهب صباح، كل يوم إلى مكتب سيادة (اللواء) المشرف على الأمن في الهيئة, وأظل جالسا أمام عينيه بلا عمل إلى أن يحين موعد انصراف العاملين. وكنت أرجو أن أترك في حالى, وأبقى في منزلى كما انتهى الحال بكل الذين أعرفهم من المبعدين من الجامعة, كما كنت أحلم باستغلال الإبعاد من الجامعة, ومن ثم التفرغ الإجبارى, للانتهاء من كتاب كنت قد شرعت فيه. ولكن الاكتئاب لم يدم طويلا, إذ سرعان ما أقبل المساء واجتمع الأصدقاء المبعدون مثلى في منزلى, مطلقين العنان للضحكات التى استعنا بها في القضاء على إحباطنا, شأنها شأن النوادر الساخرة التى كانت بعض أسلحتنا في مواجهة أزمة الطرد من الجامعة. وأذكر أننى ظللت أعابث أستاذى المرحوم عبدالمحسن بدر الذى اختيرت له وزارة التعمير, فذهب إليها ولكنهم أخبروه أنه لا داعى لحضوره, وأن عليه البقاء في منزله إلى أن يتصلوا به. وقلت له: ألا ترى يا أستاذى العزيز أن الظلم قد تغلغل في كل شيء, حتى في الجهات التى حكموا علينا بالذهاب إليها؟ فضحك عليه رحمة الله وقال: وكيف ذلك أيها (اللمض)؟ قلت: أنت تعرف حماسى للمدرسة (البنيوية) في دراسة الأدب, وأننى أحدثكم دائما عن البنية وليس إلى وزارة الشئون الاجتماعية التى تتبعها الهيئة العامة للتأمينات والمعاشات, أما أنت فمن العدل أن تذهب إلى وزارة الشئون الاجتماعية, فهى الأحق بك لأنها الوزارة التى تتجانس مع إلحاحك على الأبعاد الاجتماعية للأعمال الأدبية, أليس هذا هو العدل؟! وضحك أستاذى المرحوم عبدالمحسن بدر كما لم يضحك طوال أزمة سبتمبر التى مررنا بها جميعا, وضحك معه كل الحضور, وسرعان ما انتقلت الحكاية إلى الأصدقاء والمعارف خارج مجالسنا, فأصبحت نادرة من النوادر التى قاومنا بها وقائع شهر سبتمبر المؤسية. هكذا, كنا نقاوم الكآبة ونتغلب على الإحباط, ونضيف إلى التنكيت التبكيت الذى كنا نسخر به من تردى الأوضاع حولنا. ولذلك لم تخل جلساتنا من متعة الاستماع إلى إبداع الأصدقاء, وكان على رأسهم من الشعراء أمل دنقل وأحمد عبدالمعطى حجازى اللذان كنا نلح عليهما في إنشاد قصائدهما, ونلح على يوسف أدريس الذى كان يؤازرنا أن يفتح لنا الخزائن السرية لإبداعاته القصصية الجديدة, كما كنا نلح على ذوى الأصوات المحسنة أن يقودونا في غناء جماعى لم يكن يخلو من شجن يبين عن المسكوت عنه في أعماق كل واحد من حضور أمسياتنا. وأتصور أن هذه الأمسيات هى التى تصاعدت في داخلنا بروح المقاومة, ودفعتنا الى البحث عن سبيل إيجابى عملى لمواجهة قرارات إبعادنا من الجامعة, تلك القرارات التى أكد المختصون بالقانون من زملائنا أنها قرارات غير دستورية يمكن الطعن فيها وإبطالها قضائيا. وأذكر أن رأينا استقر على رفع دعوى قضائية لنقض قرارات إبعادنا من الجامعة, ووقع اختيارى على أستاذ مرموق في كلية الحقوق أبعد مثلنا من الجامعة. وبالفعل, ذهب إليه بعضنا, وأظهر الأستاذ الذى أفضل عدم ذكر اسمه حماسة كبيرة للقضية, وطمأن الزملاء فيما يخص احتمالاتها, ونقل إلينا الزملاء عباراته الواثقة من النجاح, فبدأنا بجمع توقيعات لتوكيله عن كل المبعدين من الجامعة. وعندما أكمل الزملاء مهمتهم, ذهبوا إلى الاستاذ القانونى الكبير الذى فاجأهم بأنه يريد من كل واحد من الذين سينوب عنهم خمسمئة جنيه مقدما, لا على سبيل الأتعاب وإنما على سبيل تسديد الرسوم المطلوبة. ولم يستطع الزملاء الرد بالإيجاب, وعادوا إلينا بوجوه لا تخفى ملامحها إحباطهم الذى تحول إلى خيبة أملنا جميعا في هذا الذى حسبنا مثلنا, خصوصا ونحن نعلم أن رفع القضية لا يحتاج إلى ما يربو على ثلاثين ألف جنيه, كما نعلم أن أغلبية المبعدين من الجامعة ما كانوا قادرين على دفع هذا المبلغ بعد أن حرموا من مرتباتهم في الجامعة. ولم تطل بنا خيبة الأمل على أى حال فقد جاءت إلينا مجموعة أخرى من الزملاء, وأبلغونا أن الدكتور نعمان جمعة, وكان مطرودا من الجامعة مثلنا, قبل أن يتولى أمر قضيتنا أمام القضاء, متطوعا بلا أجر أو رسوم, ففرحنا بالخبر, وجمعنا له التوكيلات المطلوبة. وبالفعل, بدأ نعمان جمعة (الذى أصبح عميدا لكلية الحقوق بعد سنوات من عودتنا إلى الجامعة, كما أصبح رئيسا لحزب الوفد منذ حوالى شهرين تقريبا) اتخاذ الاجراءات القانونية اللازمة, ومضت القضية في طريقها أمام المحاكم التى نظرت بعد موت السادات, ولكنها لم تصل إلى النهاية التى كنا نرجوها, خصوصا بعد أن أصدر الرئيس حسني مبارك قراره الجمهورى بعودة الأساتذة الجامعيين إلى جامعاتهم ورجال الاعلام إلى أعمالهم فلم يعد للقضية مبرر بعد أن انتفى الدافع إليها. ولم يكن أمامى طوال شهر سبتمبر سوى الذهاب كل صباح إلى مكتب السيد (اللواء) مسئول الأمن في هيئة التأمينات والمعاشات. وكان موعد لقائنا الدائم في التاسعة صباحا. ويبدأ بالترحيب الذى ينتهى بطلب القهوة التى تقودنا إلى حديث يبدو عاديا في ظاهره, ولكنه كان بمثابة محاولة لمعرفة أفكارى. ولذلك كانت أسئلة السيد (اللواء) تدور حول قضايا سياسية بالدرجة الأولى, فمرة يسألنى عن تفسيرى لأحداث سبتمبر, فأقول ما أحسبه إجابة آمنة, وثانية يسألنى عن الفرق بين الإشتراكية والماركسية والشيوعية فأشرح له الفرق, فينتقل من ذلك إلى سؤالى عن العلاقة بين الرأسمالية والاشتراكية الديمقراطية فأشرح له الأمر. واستمر الأمر على هذا المنوال طوال شهر سبتمبر, هو يسألنى وأنا أجيب, ولكن شيئا فشيئا خلت الاسئلة من نبرة الريبة, وأخذت تمتلئ برغبة المعرفة الصادقة, فتحولت اللقاءات الى دروس صباحية متكررة, دروس تظل ممتدة إلى أن يحين وقت الانصراف, فأترك السيد (اللواء) الذى أصبح تلميذا يرغب في المزيد من المعرفة, وأعده بالاستمرار في اليوم التالى. وكنت أضحك في نفسى قائلا: ها أنت ذا تواصل مهنة التدريس حتى خارج الجامعة, وتقوم بدور شهر زاد في حكاية جديدة أرجو ألا تمتد إلى ألف ليلة وليلة. والحمد لله لم تمتد الحكاية إلى ما بعد شهر سبتمبر إلا بأيام قليلة, فسرعان ما تتابعت الأيام الأولى من شهر أكتوبر, واغتيل السادات في اليوم السادس من أكتوبر, فانقلبت الأحوال رأسا على عقب, وتقلص حرص سيادة (اللواء) على اللقاء اليومى, وبدأت الأحداث تتجه وجهة مغايرة, كان من نتيجتها السماح لى بالسفر إلى السويد التى دعتنى جامعتها للعمل أستاذا زائرا فيها. وأخذت أستعد للسفر واستكمل اجراءاته التى ساعدنى فيها رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتأمينات والمعاشات, كما ساعدنى سيادة (اللواء) الذى ظل يعلن لى طوال الأيام الباقية من شهر أكتوبر أنه أصبح من تلامذتى بعد كل ما تعلمه منى. وكنت أشكره على مجاملاته, وإن ظللت أدعو في سرى ألا أضطر بعد ذلك لتعليم غيره من (اللواءات). ولن أنسى ماحييت ذلك الصباح الذى استدعانى فيه رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتأمينات والمعاشات, بعد أن وافق على منحى إجازة لمدة عام بدون مرتب لأتمكن من الذهاب إلى السويد, وطلب لى القهوة الأخيرة التى شربتها في مكتبه, وبعد عبارات المودة والأمنيات الطيبة بالتوفيق في جامعة السويد والعودة منها إلى جامعة القاهرة بإذن الله, توقف الرجل عن الكلام, وناولنى (ملفا) على مكتبه, وقال لى في صوت مؤثر: انظر, فنظرت في الملف الذى وجدته على صفحته الأولى (معاش السيد الرئيس محمد أنور السادات). وكانت بقية الصفحات تحمل قرارات (معاش شهيد عسكرى) (وهو معاش مضاعف خاص بشهداء الحرب. وقد اعتبروا الرئيس السادات شهيد حرب) وقرارات المعاش المخصصة لزوجته السيدة جيهان السادات وابنائها, مع قرارات المعاش المخصصة لبناته من زوجته الأولى. ولم أستطع أن أخفى تأثرى, ولم أنطق سوى جملة واحدة, هى جملة: (لا حول ولا قوة الا بالله) التى ظللت أكررها حتى بعد أن ودعنى رئيس مجلس الإدارة الذى احتضننى وقبلنى قبل أن أغادر مكتبه إلى الطريق الذى بدا واعدا بزمن جديد. ومضيت في هذا الطريق بعد أن تركت ميدان (لاظوغلى باشا) الذى تطل عليه هيئة التأمينات والمعاشات. ولم أفكر إلى اليوم في العودة والحصول على ما أستحقه عن وجودي بالهيئة من جنيهات قليلة فقد كان في الخروج منها والعودة إلى الحياة الجامعية التى انتسب إليها كما ينتسب السمك إلى الماء ما يغنى عن كل أموال الدنيا الفانية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات