بين التكنولوجيا الاسرائيلية والديموغرافيا العربية ، بقلم: ياسر الفهد

نظرا لان العرب, كما هو معروف, يتفوقون على اسرائيل, تفوقا ساحقا في المجالين السكاني والجغرافي, فقد اكتشفت الاخيرة انه يتعين عليها العثور على وسيلة لتحقيق التوازن في القوى, بينها وبين خصومها، واذا كانت (الحاجة ام الاختراع), كما يقال فان الدولة العبرية وجدت ضالتها المنشودة في التكنولوجيا المتقدمة التي توفر لها مزايا عديدة, مثل القدرة على خوض معترك القتال ودخول ساحات الوغى, بأقل عدد من الضحايا والخسائر الديموغرافية, ومما يساعدها على تطوير هذه التكنولوجيا, ان ابواب الولايات المتحدة مفتوحة امامها على مصراعيها, لتزويدها بالخبراء والمعدات والخبرات التقانية والمساعدات العسكرية المختلفة. ولاشك اننا نستذكر كيف كان الاسرائيليون يدمرون المرافق ويسفكون دماء اللبنانيين, وهم في ابراجهم العاجية في اعالي السماء, دون ان تصاب طائراتهم محكمة الصنع, او طياروهم المهرة, بأي اذى, حتى غدت هذه الطريقة هي المفضلة لديهم في خوض غمار القتال. كما ان الصورة نفسها اتضحت خلال انتفاضة الاقصى التي لجأت فيها اسرائيل, تخفيفا لخسائرهم البشرية, الى استخدام اسلحة تكنولوجية متقدمة, كالصواريخ, لمواجهة اجساد الفلسطينيين وأحجارهم. ومن جهة ثانية, فان هؤلاء يستطيعون في اي وقت تدق فيه نواقيس الحرب, ان يجمعوا قواتهم العسكرية من مختلف الاسلحة ويحشدوها في اي مكان, خلال فترة وجيزة من الزمن وان يضربوا ضربتهم دفعة واحدة, فتأتي مؤثرة وفعالة. وهذا ما حدث في حرب يونيو حين قامت اسرائيل بتجميع معظم قواتها الضاربة وتوجيهها بسرعة نحو الجبهة المصرية, فتحقق لها النصر, واحتلت سيناء والضفة الشرقية لقناة السويس, ثم حولت القوات نفسها الى الجبهة الاردنية, فاكتسحت جبهتها, وتمكنت من احتلال الضفة الغربية بالاضافة الى بعض المناطق في الاردن نفسها, وفي المرحلة الثالثة, اندفعت قواتها نحو الجولان, فكان ما كان. فاذا اضفنا الى المهارة التكنولوجية والقدرة العسكرية التعبوية لاسرائيل التأييد الامريكي, السياسي والاقتصادي والعسكري لها نستطيع ان نعرف سبب تفوقها على العرب في المدى القريب, وهذا ما يفسر سر غطرستها وتعنتها وشعورها بالفوقية. ولكن اذا دققنا في الامر, نجد ان الامور كلها يمكن ان تنقلب رأسا على عقب في المدى البعيد, فما تنعم به الدولة العبرية اليوم من تفوق تكنولوجي وقدرة لوجستيكية (تعبوية) افضل من قدرة العرب, على تجميع القوات, وتأييد امريكي ساحق, انما هي عوامل قابلة للتغيير مع مرور الزمن, ولنأت الآن الى الجانب الآخر, فالعرب متخلفون اليوم من الناحية التكنولوجية, ولكن قدراتهم الديموغرافية الهائلة تتيح لهم تخريج اعداد كبيرة جدا من العلماء والمهندسين والفنيين. ومع مرور الزمن لابد ان يفعل هذا الحشد التقني فعله, ويقود الى تحقيق نهضة تكنولوجية, في المستقبل البعيد, ونأتي الآن الى العامل التعبوي, فالقوات العسكرية العربية مبعثرة, ولا يمكن تجميعها في مكان واحد بسرعة. واذا ما دقت طبول الحرب, وحاول العرب ان يحشدوا كامل قواهم, فربما لا يتحقق لهم ذلك, الا بعد ان تكون الحرب قد وضعت اوزارها وانتهت! وسبب هذا الوضع يكمن في فرقتهم وتشرذمهم, وهو امر لا يمكن ان يدوم الى الابد. فاذا ما تحققت الصحوة, واستفاق هؤلاء من سباتهم الطويل ودب الوعي في اوصالهم ــ بمشيئة الله وقدرته! ــ فانهم سيصبحون اكثر توحدا وقدرة لوجستيكية على تجميع قواتهم العسكرية في مكان واحد, عندما تدعو الحاجة الى ذلك. وبالنسبة للعامل الثالث, فان الانحياز الامريكي الكامل لاسرائيل, لايمكن ان يستمر على المنوال نفسه, وبالقوة ذاتها, الى ما لا نهاية. فتأثير اللوبي الصهيوني, من شأنه ان يخمد ويضمحل في حالة حدوث صحوة تجعل الامريكيين يطالبون بتفضيل مصالح الولايات المتحدة على المصالح الصهيونية, وهو امر وارد ومتوقع الى حد بعيد. كما انه لايمكن لاحد ان يتصور بقاء اصوات الناخبين اليهود سيوفا مسلطة على رقاب المرشحين للرئاسة الامريكية, مما يجبر هؤلاء على الاذعان لاسرائيل وتلبية معظم مطالبها مهما تمادت في غطرستها وعدوانيتها ومن جانب آخر فان الهيمنة الامريكية على العالم يستحيل ان تدوم لان هناك قوى اخرى كبرى آخذة في النمو, مثل روسيا والصين وبعض الدول الاوروبية الاقل انحيازا لاسرائيل. نستطيع ان نخلص من كل ما سبق الى ان القدرة التكنولوجية والتعبوية لاسرائيل, تتيح لها التفوق على العرب, في المدى القريب المنظور, ولكن القدرة الديموغرافية واتساع رقعة الاراضي التي يملكها العرب, يضمنان لهم ربح الاوراق النهائية في لعبة الصراع مع اسرائيل, في الامد المستقبلي البعيد, واذا كان الزمن يكفل لنا التغلب على العدو الصهيوني, فان هناك عدوا آخر لنا, اشد شراسة منه وأعظم ضراوة وهو التخلف. فحتى لو استطعنا في المستقبل ان نحول اسرائيل الى اقلية تعيش داخل الدولة العربية الواحدة, فاننا لن نتمكن من بناء دولة حضارية تضع بصماتها على تاريخ الانسانية, الا اذا قضينا على تخلفنا باسلحة الديمقراطية والحرية والمجتمع المدني ومكافحة الفساد والحد من النزعة الفردية النرجسية وغير ذلك من ادوات التقدم. كاتب سوري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات