يُقال وهو الحق ان العرب لا يقرأون تاريخهم بل التاريخ عموماً وإن قرأوه قراءة الذين لا شيء بأيديهم فما انتفعوا ولا انتفعت الامة بذلك فكان حسرة في قلوبهم. فإن قرأه سواهم قرأوه اما قراءة تسلية ولهو يختارون منه ما يكون حلوا منسيا للهموم والمشاق من النوادر والمضحكات أو قرأوه بعد فوات الاوان فكانت العََبرةُ والبُكاء لا العِبرة والذّكاء والفائدة. وإن العلماء المؤرخين من المسلمين قد كتبوا في تاريخ هذه الامة أسفاراً عظيمة لو قرأ اهل القيادة والملك والسياسة بعضها أو قليلا منها لانتبهوا وعرفوا تقلبات الدهر ومكامن الخطر وأسباب الضعف والقوة ومَكْمنَ انهيار كل أمّة فهل يفعلون؟ إنهم لا يفعلون إلاّ قليل منهم. ولو كنا نقرأ تاريخنا حقاً قراءة موضوعية عاقلةً مفاضِلة مقارنة معتّبِرة لكان حالنا غير هذا الحال, ولكننا على خلاف ذلك نتظاهر بأننا نعرف تاريخنا وأبطالنا ورموزنا التاريخية ونحن في الحقيقة بها جاهلون نعرفها معرفة عاطفية لا تعدو معرفتنا ببيت شعرٍ من التراث نردّدُه ولا نعرف معناه, كذلك الذي طالما أخذ يردد امام اصحابه قول امرىء القيس وهو يذكر ويصف جواده: مكرٍ مفرٍ مقبلٍ مدبرٍ معاً كجلمود صخرٍ حطّهُ السيل من علِ فلما سمعه أصحابه سألوه لطالما قلت وكررت هذا البيت وتذكر فيه (علي), فمن علي هذا؟ فأجاب يدّعي المعرفة علي هذا هو ابن عم الشاعر امرىء القيس. وقراءتنا ومعرفتنا نحن بتاريخنا ورموزنا كمعرفة هذا المدعي بشعر امرىء القيس, فكلنا في خضم هذه المأساة العربية الاسلامية التي تموج بالأمة من أقصاها الى أقصاها بسبب النزيف الدائم في صدر فلسطين, كلنا يتحسر ويُمَصْمِصُ أسفاً شفتيه على القدس ويصيح يا صلاح الدين يا صلاح الدين, ولو سألت أكثرنا من صلاح الدين هذا؟ ما أسمه واسم ابيه؟ لقال لك لا أدري وهذا ليس غريباً علينا, فكم منا من متمذهب يصيح بملء فيه في كل صغيرة وكبيرة صباحاً ومساء انا حنبلي, أنا مالكي, أنا شافعي, أنا حنفي, ولو سألته من أبو حنيفة أو مالك هذا أو ابن حنبل او الشافعي الذي تنتمي بدينك اليه لأجابك لا أدري هكذا وجدت أبي وجدي. رحم المولى أئمة المذاهب جميعا وجزاهم عن الاسلام والمسلمين خيراً, فالأمر ليس ذنبهم ولكنه ذنب من أتى بعدهم فتمذهب بجهل حتى صار دينه عادة وتراثا لا دينا واعتقادا. وكذلك معرفتنا بتاريخنا ورموزنا تقليد وعاطفة وسير شعبية أخذناها عن اجدادنا ومُعَلِّمينا بغير تعمق ولا قراءة حتى في ابسط الاشياء كأسماء رموزنا, فمن منا الا القليل يعرف ان صلاح الدين هذا الفاتح العظيم اسمه يوسف بن أيوب وإنما صلاح الدين لقبُه, ومن منا يعلم ان صلاح الدين ما فتح بيت المقدس في سنة خمسمئة واثنتين وثمانين إلاّ بعد أن هزم الفرنج بحطين في ربيع الآخر وإلاّ بعد جهاد دام شهورا, فتح فيه مدنا عديدة منها طبرية وعكا ويافا وصيدا وبيروت وعسقلان حتى وصل الى بيت المقدس وفتحها بعد قتال شديد وسُلِّمت إليه يوم الجمعة في السابع والعشرين من رجب من السنة التي انتصر فيها في حطين, وأن الفرنج في ذلك العصر كانوا يُسيطرون على كثير من المدن في بلاد الشام وليس بيت المقدس وحدها ولقد كانت لهم صولات وجولات في بلاد الشام لعلّها أقل مما هي عليه الآن, فكانوا من السهولة بمكان أن يُجهزوا الجيوش ويغزوا عواصم العالم الاسلامي ويأسروا أهلها ولك أن تقرأ في كتاب الكامل لابن الأثير في حوادث سنة 574 للهجرة أنه في هذه السنة (سار جَمْعُ من الفرنج بالشام إلى دمشق مع ملكهم فأغاروا على أعمالها ــ يعني قراها ــ فنهبوها وأسروا وقتلوا وسبوا فأرسل صلاح الدين ابن اخيه فرخشاه في جمع من العسكر إليهم فقاتلهم وانتصر عليهم. ولو شئنا أن نقرأ في ذلك كثيراً لأمضينا اعمارنا نقرأ التاريخ لنعتبر فنستفيد ونعلم ان النصر لا يأتي بالقعود والتحسر ولا يأتي بشراء الاسلحة وحدها وانما يأتي بسلاح يحمله رجال يقضون اعمارهم في جهاد وجلد من اجل نصرة الاسلام واعادة مقدساته على اسلام صافٍ غير مغشوش. وعلينا أن نعلم ان اعداءنا هم اعداء صلاح الدين وان هدفهم واحد لا يقفُ عند حد فلسطين بل يتعداها الى مكة والمدينة, فمما يجب ان يقرأ في التاريخ ان صلاح الدين لما انتصر على الفرنج في حطّين نزل في خيمته واحضر ملك الفرنج عنده وبرنس صاحب الكرك واجلس الملك إلى جانبه وقد أهلكه العطش فسقاه ماء مثلجاً فشرب واعطى فضلَهُ برنس صاحب الكرك فشرب فقال صلاح الدين إن هذا الملعون لم يشرب الماء بإذني فينال أماني ثم كلم البرنس وقرعه بذنوبه وعدد عليه غدراته وقام إليه بنفسه فضرب رقبته وقال كنت نذرتُ دفعتين أن أقتله إن ظفرتُ به إحداهما لما أراد المسير إلى مكة والمدينة. وفي هذا دليل على ان صلاح الدين كان رجلاً قوياً صلباً حازماً لا تأخذه رقة ولا رأفة بالغادرين من اعدائه لا كما تصوره افلامنا العربية بأنه ذلك الفتى الرقيق الذي لا يكاد يؤذي نملة لرقته, فهو الرقيق في موضع الرقة والحازم الشديد على اعدائه واعداء الاسلام لاشك. وأنه كان قائداً نزيهاً حقاً كريماً رفيقاً بضعفاء المسلمين حقا, فلقد ذكر ابن الاثير في كتابه الكامل (وكان رحمه الله كريماً حليماً حسن الاخلاق متواضعاً صبوراً كثير التغافل عن ذنوب اصحابه يسمع من أحدهم ما يكره ولا يُعلِمه بذلك ولا يتغير عليه) وذلك خلاف عادة اكثر الملوك. ثم قال ابن الاثير وكان مرة قد مرض مرضاً شديداً أرجف عليه بالموت فلما برىء منه وأدخل الحمام كان الماء حاراً فطلب ماء بارداً فأحضره الذي يخدمه فسقط الماء عليه فكاد يهلك فلم يزد على أن قال للغلام إن كنت تريد قتلي فعرّفني فاعتذر إليه فسكت عنه. وذكر ابن الاثير من كرمه انه مات ولم يخلف في خزائنه غير دينار واحد وأربعين درهما.