بالتدريج ودونما ضجة كبيرة, بخطو العراق وئيدا نحو كسر الحصار الظالم المفروض عليه, ويوحي منظر الطائرات المتزايدة التي تهبط في مطار صدام الدولي ببغداد, بمشهد بلد بدأ يستعيد عافيته مجددا. تلمح ذلك على الوجوه والمحيا, في حين كفت وسائل الاعلام عن احصاء عدد الطائرات, التي لم تعد تصلح كأخبار, لكثرتها وتتابعها, وقريبا حينما يعيد الكثير من الدول رحلاته الجوية المنتظمة لبغداد, سوف ينسى الناس ان هذا البلد, كان حتى اشهر قليلة فحسب, ولمدة عشر سنوات متتالية, من المناطق القليلة في العالم التي يحظر السفر اليها جوا! وسيكتشف الناس ايضا ان الحظر الذي فرضته الولايات المتحدة وبريطانيا وتوابعهما, لم يكن اكثر من اجراء نفسي, كسر بمجرد ان تجرأت دولتان (فرنسا وروسيا) على تحديه. هل يعني ذلك ان ساعة كسر الحصار الاقتصادي على العراق قد حانت؟ اعتقد انها كذلك, من دون ان نسقط في فخ تحديد التواريخ والأيام او الأشهر, وكنت من بين كثيرين قالوا وكتبوا ان حصار العراق لن يرفع بقرار من مجلس الامن الدولي, لأنه لم يفرض بإرادة حرة وكاملة من المجلس بقدر ما كان نتيجة طبيعية للهيمنة الامريكية. وسيستمر كذلك ما دام ان هذه الهيمنة مستمرة. الحصار اذا كان سيرفع فسيحدث ذلك بالتدريج, وعبر مبادرات وخطوات جريئة ومؤثرة, عبر تتابعها الزمني وامتدادها لرقعة متنوعة من النشاطات والفعاليات. ان عملها يشبه عمل حفار الخشب الذي ينقر في نقطة صغيرة, لكنها سرعان ما تتسع وتتعمق, حتى تطيح بالشجرة نفسها في نهاية المطاف. وأستطيع ان اخمن ان اول مسمار دق في نعش الحصار كان اقتصاديا وسيكون الاقتصاد هو المسمار الاخير ايضا في هذا النعش. اتذكر انني حين زرت بغداد أواخر عام 1995 بمعية بعض الاصدقاء, لحضور مهرجان المربد الثقافي, وهذه بالمناسبة كانت اول زيارة على الاطلاق لوفد خليجي غير رسمي للعراق بعد حرب الخليج الثانية, كان من بين ما سجلته في مفكرتي, خلو المتاجر والمحلات في شارعي السعدون والرشيد (من اشهر شوارع العاصمة العراقية) من اية بضائع حديثة, وكل ما فيها وهو قليل جدا, يعود تاريخه الى ما قبل عام 1990. كانت المتاجر تتوسل المارة للدخول والنظر الى ما تحتويه, ولكن دون جدوى. وفي ساعات النهار, كما في الليل, لم يكن هناك سوى القليل من المارة الهائمين على وجوههم, وقدرت حينها ان الحرب والعقوبات قد فعلتا فعلتهما, على نحو قد لا يتصوره الكثيرون خارج العراق. وإذا كان الناس لا يجدون الدواء, وليس باستطاعتهم ان يشتروا ما هو ضروري وماس من حوائجهم, فمن باب اولى ألا يبحثوا عن الكماليات او السلع الترفيهية! عدت لبغداد منتصف عام 1998 ولكن الوضع كان مختلفا هذه المرة. فالشوارع تضج بالحركة والمحلات التجارية تزخر بروادها. لقد دبت الحياة من جديد في بغداد. صحيح ان العراقيين كانوا لا يزالون, حتى هذا الوقت, غير قادرين على اقتناء وشراء ماتعودوا عليه قبل حرب الخليج الثانية, وصحيح ان الوضع المعيشي العام لم يتغير كثيرا, سواء لجهة المداخيل او القوة الشرائية, لكن بات بإمكان المرء ان يلحظ الحيوية والانتعاش في الاسواق, وبامكانك ان ترى البضائع الاستهلاكية, والايرانية الى جانب التركية والسورية والاردنية وبعض الخليجية, وقد صفت في الشوارع على الفرشات او داخل المتاجر وعلى واجهات المحلات. وفي الوقت نفسه راح رجال الاعمال الاجانب كما العرب والخليجيون, يتدفقون على العاصمة العراقية. ونشطت خلال هذه الفترة المعارض التجارية والصناعية, ويعتبر معرض بغداد الدولي الذي ينظم سنويا, فرصة لمشاهدة العدد الكبير من المشاركين القادمين من بلدان وقارات مختلفة الى العراق الذي لا يزال يرزح تحت الحصار. وكان هذا كله يعني ان العلائق التجارية بين بغداد وشقيقاتها العربيات, قد بدأت تشق طريقها الى التطبيع ولم يعد الامر قاصرا على منافذ التهريب والتبادل التجاري التقليدي عبر الحدود مع تركيا وايران. لقد احسن العراق توظيف مذكرة النفط مقابل الغذاء, بعقودها الضخمة, لصالحه وهي التي اريد منها ان تكون سلسلة جديدة, تقيد رقبته حتى لتكاد تخنقها. وبدلا من الهدف الامريكي في محاصرة العراق وشل ارادة الحكومة العراقية في التحكم والاستفادة مما توفره هذه المذكرة من عوائد مالية, ذهبت بغداد الى تطبيق سياسة انتقائية في توزيع عقود بيع النفط وشراء الغذاء والدواء, على الدول والجهات بصورة تخدم الهدف العراقي الاول وهو تفتيت الحصار والدفع باتجاه تآكله مع الوقت. صحبح ان هذه السياسة كانت بطيئة وتدرجية غير انها افلحت مع الوقت في ترميم العلاقات الاقتصادية مع شركاء العراق التقليديين, من دول وشركات وأفراد. وأكثر من ذلك باتت هذه العلاقات حجر الزاوية الذي بنيت عليه فيما بعد عملية اعادة العلاقات السياسية. وربما لهذا السبب سعت واشنطن ولندن الى عرقلة تنفيذ الكثير من العقود الخاصة بمذكرة النفط مقابل الغذاء, عبر ممثليهما في لجنة العقوبات التي تحمل الرقم 661, بصورة انتقائية وبما يجهض اهداف العراق, قدر الامكان. وقد نجحت الدولتان احيانا, فيما ذهبتا اليه, خصوصا في ميدان عرقلة جهود بغداد لاصلاح بنية البلاد الاساسية, وكذلك تلبية حاجات المواطنين من الدواء والخدمات الاساسية على وجه التحديد. لكن الخطوة الروسية الفرنسية المفاجئة بإرسال الطائرات المدنية مباشرة الى بغداد واعطاء تفسير مغاير للتفسير الامريكي للقوانين الدولية المتعلقة بحظر الطيران التجاري (او نقل الشحنات التجارية) الى العراق, قد افسحت المجال لاحداث نقلة غير مسبوقة في هذا الميدان. وتزامن ذلك كله مع الازمة النفطية العالمية, الامر الذي قلل من قدرة واشنطن ولندن على الرد على هذه الخطوة, اولا لحاجتهما لتدفق النفط العراقي الى الاسواق وثانيا لانتقاء اية امكانية او ظروف للقيام برد عسكري او سياسي ضد بغداد او ضد من انتهكوا الحظر المزعوم. واتصور ان استعادة حركة الطيران والاتصال الجوي, بين العراق وباقي دول العالم, لوضعها الطبيعي من شأنه ان يجعل مذكرة النفط مقابل الغذاء, في المستقبل القريب, شيئا متخلفا ينتمي الى الماضي. وما ان يحدث ذلك, حتى يكون الطريق قد اصبح ممهدا بصورة فعلية لانهيار نظام العقوبات الاقتصادية الوحشي وغير المسبوق تاريخيا, المطبق على العراق, انهيارا تلقائيا ومن دون ان يذرف عليه احد دمعة حزن واحدة.