تكثر شكوى الناس هذه الأيام بشكل غريب, حتى انك تعتقد انه من حسن طالعك أن تجلس إلى إنسان أو تقضي يوما كاملا دون أن تمتلئ أذناك بالشكوى وقلبك بالهموم التي يحملك الناس إياها, وعادة ما يشتكي الناس من أقاربهم وأبنائهم وزملاء العمل وأصدقاء الزمان الذين لا يرعون الود ولا يحفظون حق الصداقة. فإذا تأملت جيدا في الحكايات التي يرددونها على مسامعك ليثبتوا لك حجم معاناتهم ومر شكواهم تجدهم يكررون عبارات: (الناس تغيرت كثيرا) و(الحسد ملأ القلوب) و(الزمان رديء) و(الفلوس والمراكز تغير النفوس) و... غيرها من العبارات المليئة باليأس من قيم الخير المطلق والجمال المطلق فيما يحيط بالشاكين عادة. لكن لماذا يتغير الناس إذا أقبلت عليهم الدنيا بالمال أو المناصب؟ هل صحيح ان الإنسان الطيب الخير الجميل الشفاف في جوهره والنقي بقلبه تغيره حفنة من الدراهم؟ أعتقد أن المراكز لا تغير الناس, والمال لا يغيرهم, الصحيح هو أن نقول إنها كشفت حقائقهم ومعادنهم المختبئة خلف الطيبة واللين والمسكنة بسبب قلة ذات اليد أو انعدام وسيلة البطش, فإذا جاءت الملايين وهلت بشارات المنصب القوي ظهرت النفوس (المريضة) على حقيقتها! وكم يتحاسد بشر مرضى على توافه الدنيا, دون أن يفسحوا المجال لأنفسهم بأن ترى حقيقتها, ولعقولهم بأن توقن بصغر الكون أمام عظمة الخالق, ولقد خلق الله الإنسان جميلا ونفخ فيه من روحه فجعل فيه شيئا من الطين وشيئا من الإله, لكن الإنسان مخلوق مبتلى بالنسيان, وأول ما ينساه هو شفافية الإله في داخله, فيتهالك على بقايا الطين والقذارات وكأنه يبحث عن خلاصه, مع انه يذهب سريعا إلى فنائه دون أن يدري. لقد أنشد الشاعر ذات يوم ما يستحق التأمل حين قال: ومراد النفوس أصغر من أن نتعادى فيه أو نتفانى لماذا نتعادى ويفني بعضنا بعضا؟ لأجل ماذا ندخل هذه المعارك الحقيرة يوميا, نضيع إنسانيتنا, وندمر أرواحنا ونراكم الذنوب جبالا على كواهلنا؟ أهناك ما يستحق كل هذا العناء؟ وكل هذا الثمن؟ أم ان الإنسان كما قال المتنبي: كلما أنبت الزمان قناة ركب المرء في القناة سنانا لماذا نركب القبح ونقحمه على الصورة الجميلة؟ أذلك من ابتلاء الحسد, هذه الآفة الحقيرة التي ينميها البعض ويتباهى بها بدل أن يكسرها في نفسه؟ يقول ابن المقفع: (ان الحسد أول ذنب عصي الله به في السماء والأرض, فأما في السماء فحسد إبليس لآدم, وأما في الأرض فحسد قابيل هابيل).