تفاعلات الانتفاضة الدرامية جردت الولايات المتحدة من آخر ورقة توت كانت تحاول ان تستر بها تواطؤها الناشط الفاضح مع اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني. لقد سقط نهائيا قناع (الراعي النزيه). على خلفية تساقط الشهداء الفلسطينيين في معارك الرصاص والصواريخ ضد الحجر وقفت الولايات المتحدة علنا ضد مشروع قرار في مجلس الامن الدولي ينطوي على ادانة صريحة لاسرائيل. وحتى بعد ان تجاوب اعضاء المجلس نسبيا مع الحاح المندوب الامريكي بتخفيف صياغة القرار نأت الولايات المتحدة بنفسها عنه فامتنعت عن التصويت. وتكرر المشهد بصورة مماثلة على صعيد كل من الجمعية العامة للامم المتحدة واللجنة الدولية لحقوق الانسان حيث برزت واشنطن ليس فقط كمحامي دفاع عن اسرائيل بل وكشريك مصير. وأحدث موقف للولايات المتحدة في الساحة الدولية ضد الشعب الفلسطيني هو تطابق معارضتها مع معارضة اسرائيلية ضد ارسال قوات دولية لحماية الفلسطينيين من آلة الحرب الاسرائيلية. في هذه الاثناء وعلى طول خط الاحداث المتلاحقة للانتفاضة والازدياد المنتظم في عدد القتلى الى نحو 170 مقابل اقل من عشرة من الاسرائيليين ظل الموقف الرسمي الثابت للولايات المتحدة هو المساواة بين الجلاد والضحية مع ميل من حين لآخر الى لوم الضحية. ولم تجد واشنطن مبررا للعدول عن هذا الموقف (المتوازن) الا عقب وقوع حادثة تفجير السيارة التي تبنتها (الجهاد الاسلامي) الفلسطينية وأدت الى مقتل يهوديين في القدس الغربية. هنا صدرت ادانة امريكية للحادث ومدبريه. فقد اعتبرته واشنطن ارهابيا. هذا العداء الامريكي الصارخ للشعب الفلسطيني والانحياز الفاضح لاسرائيل ليس عارضا بالطبع. فالشخصيتان المتصارعتان على منصب رئيس الولايات المتحدة ــ بوش وجور ــ تتباريان في الوعيد للفلسطينيين والوعد للاسرائيليين. بالطبع ليس معنى ذلك ان واشنطن كانت تتخذ موقفا حياديا قبل اندلاع الانتفاضة وانما معناه ان سكون الاوضاع قبل اشتعال العنف الجماهيري الفلسطيني كان يساعد الولايات المتحدة الى حد ما على التظاهر الكاذب بالحياد بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي. وجاءت الانتفاضة بإيقاعها المتسارع العنيف لتضطر واشنطن الى خلع ثوب التظاهر الحيادي لتقول: انا مع اسرائيل. وهذه النتيجة تحسب لصالح الايجابيات التي افرزتها الانتفاضة. لقد فقدت (عملية السلام) وليس من المتصور اذن في المستقبل المنظور ان تقبل قيادة السلطة الفلسطينية استئنافا للعملية التفاوضية تحت (الرعاية الامريكية) فقط. ومن بشائر المؤشرات في هذا الصدد ان الرئيس عرفات أخذ يتجه صوب الامم المتحدة لتدخل عملية التفاوض مما يمكن ان يؤدي الى تحجيم الدور الامريكي. وهذا تطور قد يفضي في نهاية المطاف الى اعادة القضية الى مرجعية قرارات الامم المتحدة عوضا عن المرجعية الاسرائيلية المسنودة امريكيا. لكن مثل هذا التطور وغيره يعتمد على مدى تصعيد الانتفاضة نوعيا.. وهذا بدوره يعتمد على توحيد القيادات الفلسطينية.