في الوقت الذي كان الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات يواصل التفاوض مع الرئيس الامريكي السابق كلينتون دون طائل إلا وعد بمواصلة التفاوض من اجل لقاء آخر مع باراك الذي يواصل حرب الابادة ضد الشعب الفلسطيني في حماية امريكا بدعمها! في الوقت نفسه تجري مفاوضات اخرى ـ عن طريق وساطات دولية ـ بين اسرائيل وحزب الله في لبنان من اجل اطلاق الجنود الاسرائيليين الثلاثة الذين اسرتهم قوات المقاومة اللبنانية, وبعد ان كانت اسرائيل قد اعطت مهلة اربع ساعات فقط لاعادة جنودها ولا فإنها ستدمر لبنان وتعاقب سوريا, وها هي ترضخ لحكم المقاومة, وتستخدم نفوذها مع زعماء دول الغرب ليسارعوا بالوساطة, ولاشك انها ستقبل شروط المقاومة اللبنانية وتفرج عن الاسرى اللبنانيين في سجونها ـ وتعيد رفات الشهداء وتبتلع الهزيمة وتحاول تغطية الفضيحة. المقارنة لابد ان تفرض نفسها رغم ادراكنا الكامل باختلاف الظروف ومع اليقين الكامل بأن هذا الاختلاف لا يمكن ان يلغي دور المقاومة بل لعله يكون عونا لها في اداء المهمة المقدسة. في لقاء سابق مع حسن نصر الله الامين العام لحزب الله سألته: لماذا نجحتم وفشل الآخرون؟ وكيف انجزتم المهمة الصعبة بينما كان حركات اخرى تحاول الانتساب زورا للاسلام, تنحرف عن طريقها وتقع في النهاية في بئر تكفير المجتمع وذبح الاطفال واغتيال السياح وترويع مواطنيهم؟ كيف انتصرتم على عدو هو الاقوى عدة وسلاحا وهل يمكن ان يتكرر الدرس؟ وبهدود قال الرجل انه لا يريد ان يتحدث عن حركات اخرى لا يعرف ظروفها بدقة, ولكنه يستطيع ان يتحدث عن حركته ويشرح تجربتها فالمسألة ليست صعبة ولا مستحيلة, القضية ببساطة ـ كما يقول نصر الله ـ هي ان حزب الله حدد من البداية هدفه ولا يسمح لاحد ان يحرفه عنه. كان الهدف الوحيد هو المقاومة.. وكانت نقطة البدء هي الايمان الكامل بأن لبنان لن يتحرر إلا بالمقاومة المسلحة. ومع الادراك الكامل بأن موازين القوى العسكرية في صالح العدو, ولا مجال على الاطلاق للمقارنة بين ما تملكه المقاومة من سلاح متواضع, وما في ترسانة العدو من سلاح متطور, فإن اليقين كان ان الحسبة تختلف في حالة المقاومة الشعبية عنها في الحرب المنظمة, وترسانة العدو قد تحسم اي حرب نظامية لصالحه, ولكنها لا يمكن ان تضمن له حسم المعركة ضد المقاومة. واضاف نصر الله: كنا ندرك ان العدو سيضربنا بقسوة, ولكننا كنا واثقين ان الموقف سيختلف حين يعود جنوده من عندنا جثثا في النعوش ساعتها سيعرف فداحة الثمن الذي يدفعه لاحتلال ارضنا, وسيتأكد انه غير قادر في الاستمرار في دفعه. وقد سارت الامور رغم قسوة المعركة ـ كما خططنا لها لكن المفاجأة كانت اننا اكتشفنا هشاشة البنيان الداخلية للجندي الاسرائيلي والتي يخفيها بالاحتماء بترسانة الاسلحة التي تتوافر له انه ـ عند المواجهة ـ شيء آخر خائف من الموت يواجه مؤمنا مقبلا على الشهادة فكيف يهزمه؟! لكن ذلك لا يفسر كل شيء فبالاضافة الى العقيدة والايمان بأن الارض لن تتحرر إلا بقتال العدو وليس الاستسلام لشروطه كما حاول بعض السياسيين كان العامل الاهم ـ كما يقول نصر الله ـ ان المقاومة لم تسمح لاحد ان يحرفها عن اهدافها طوال ثمانية عشر عاما من الكفاح المتواصل. يقول نصر الله : (حاول الكثيرون ان يجرونا الى معارك فرعية, ورفضنا الفخ المنصوب لنا بحسم, اعتدت بعض القوى علينا ولم نرد العدوان, حتى الدولة (في بعض عهودها) حاصرتنا واطلقت القوات النظامية النار علينا في بعض تظاهراتنا السلمية, وسقط شهداء وجرحى وعم الغضب وارتفعت صيحات الانتقام, وكاد الامر يتحول الى مأساة فخرجت الى الجموع الغاضبة وقلت بكل الوضوح تريدون الانتقام لشهدائكم, امامكم العدو الذي يحتل الارض ويدنس الجنوب ويهدد امن كل اللبنانيين فلتتوجه له كل البنادق فهذا هو ثأرنا وثأر الله. وفشلت المحاولة كما فشلت كل محاولات جرنا الى معارك داخلية تستنزف قوانا وتبدد طاقاتنا, وظلت بنادقنا طوال ثمانية عشر عاما ـ ومازالت ـ لا تعرف إلا عدوا واحدا هو اسرائيل وليس لها إلا هدف واحد هو مقاومة الاحتلال الاسرائيلي لارضنا, ومقاومة المشروع الصهيوني الذي يهدد وجودنا. ولان الامر كان كذلك, فلابد ان تكون النهاية هي الانكسار الذليل للعدو الصهيوني والخروج مجللا بالعار من جنوب لبنان, مع ذلك لم تلق المقاومة اللبنانية السلاح, فهناك ارض في منطقة (شبعا) مازالت تحت الاحتلال, وهناك تهديد لامن الوطن تمارسه اسرائيل واستمرت المعركة, وتم اسر الجنود الاسرائيليين الثلاثة الذين تتفاوض اسرائيل بواساطات دولية عديدة من اجل اطلاق سراحهم ثم اسر ضابط المخابرات الاسرائيلي الذي تم استدراجه الى لبنان والذي تحاول اسرائيل ابقاء قصته وراء الستار اتقاء للفضيحة.. ولاشياء اخرى. على الجانب الآخر وبعد جريمة إلقاء السلاح الفلسطيني بعد اوسلو هاهي المفاوضات العبثية تصل الى لاشيء او الى شيء هو الاذلال حين يكون المطروح هو كيان فلسطيني هزيل يتكون من قرى ومدن متناثرة يحيط به المستوطنات الاسرائيلية من كل جانب ويفتقد كل شروط السيادة وينعزل عن كل ارض عربية اخرى, مع الاقرار بأن القدس هي عاصمة اسرائيل الابدية, وان المسجد الاقصى سيظل تحت السيادة الاسرائيلية وان كانت الوساطة الامريكية يمكن ان تعطي لعرفات لقب خادم المسجد الاقصى على سبيل البركة ولزوم تسويق صفقة الاذلال التي لم يستطع عرفات ان يقبلها صارخا في وجه كلينتون في كامب ديفيد بأنه لو قبل فسيكون مصيره القتل من شعب فلسطين. ومع تطور الأحداث, تندلع الانتفاضة الشعبية, ويتساقط الشهداء, وتزداد غطرسة اسرائيل ووحشيتها, ومع ذلك فما زال البعض يراهن على امكانية استمرار نفس النهج الذي ساد منذ أوسلو والذي أدى الى الكارثة, وما زال البعض يقاتل من أجل العودة الى مائدة المفاوضات, وكأن الشهداء كانوا ــ على مر السنوات ــ يتساقطون من أجل ان تحظى القيادات بمجد التفاوض مع العدو الاسرائيلي تحت رعاية أمريكا الكريمة! والتبريرات التي يسوقها هؤلاء, هي نفسها سبب الحكم المؤجل بالاعدام السياسي على المسيرة الفاشلة منذ أوسلو وحتى الآن! يقولون ان الحكم بنهاية مسيرة أوسلو معناه فقدان المكاسب التي تحققت وعودة الاحتلال للأرض التي تحررت, وفرض السيادة الاسرائيلية من جديد على المناطق التي أصبحت في يد السلطة الفلسطينية. ونسأل: عن أي سيادة تتكلمون؟ إن كل شيء ما زال تحت هيمنة اسرائيل وفي قبضتها, وكل ما تغير انها تخففت من عبء المقاومة الوطنية المسلحة وتركت مهمة حفظ الأمن (الاسرائيلي طبعاً) للسلطة الفلسطينية التي أصبحت الآن متهمة بالوقوف وراء الانتفاضة, ومطالبة بقمعها واعادة الهدوء والا فإنها تتحمل المسئولية كاملة. عن أي سيادة تتكلمون .. ومعظم شهداء الانتفاضة قد سقطوا داخل الأرض التي يفترض انها تحت ولاية السلطة الفلسطينية, والمعابر تغلق, وحتى قيادات السلطة لا تستطيع التنقل في الأرض التي يقال انها تملك السيطرة عليها! عن أي سيادة تتكلمون .. وما الفرق الذي سيحدث إذ عادت قوات اسرائيل لفرض السيطرة المباشرة والكاملة على الأرض التي قيل انها تركتها, ألم تكن هذه الأرض تحت سيطرتها حيث قامت الانتفاضة الكبرى عام 87 ووصل الأمر هناك إلى ما وصلت اليه الأمور في جنوب لبنان, وكان حديث اسرائيل يومها هو عن الانسحاب من جانب واحد من قطاع غزة الذي تحول الى (مصيدة) للقوات الاسرائيلية حتى أنقذتها (أوسلو) من الخروج المهين من هناك, ووفرت لها الحل الذي يضمن لها السيطرة العسكرية والاقتصادية والأمن التام لجنودها حتى اشتعلت فلسطين بانتفاضة الأقصى؟! ان اسرائيل لم تخرج, والاحتلال ما زال باقيا, وحتى لو تم تنفيذ كل ما تعهدت به وفقاً لاتفاقات أوسلو وتوابعها, فلن تتغير الأوضاع إلا إلى الأسوأ . فالسيطرة الأمنية الاسرائيلية مكفولة, ومسئولية حفظ الأمن في المناطق التي تتركها ستتحول للسلطة لكي تمنع المقاومة وتحفظ الأمن الاسرائيلي, والتبعية الاقتصادية باقية, وكل الحلول المعروضة من اسرائيل لا تعني الا تكريس الأوضاع, وضياع القدس, وانهاء الحقوق التاريخية للفلسطينيين, والتنازل عن حقوق اللاجئين, مقابل إنشاء الكيان الهزلي الذي يعدون القيادة الفلسطينية به. ان قيمة انتفاضة الأقصى الأساسية انها استعادت قضية فلسطين الى أرض الحقيقة بعد سباحة في بحر الأوهام الأمريكية ــ الاسرائيلية استمرت سنوات, قيمة انتفاضة الأقصى الأساسية انها انهت هذا الطريق المعوج الذي سارت فيه القضية منذ أوسلو, والذي وضعت فيه القيادة الفلسطينية نفسها في مواجهة التحالف الاسرائيلي ــ الأمريكي بعد ان تخلت عن كل أسلحتها, فأوقفت النضال المسلح, وجمدت قرارات الشرعية الدولية انتظارا للعدل الأمريكي الذي لم ولن يتحقق, وضربت التضامن العربي والمسئولية العربية عن القضية الفلسطينية حين زعمت ان حرية القرار الفلسطيني تعني أن تتسلل الى أوسلو وتوقيع اتفاقات بائسة وتتخلى عن حقوق لا تملك التخلي عنها, وتبشرنا بـ (سلام الشجعان) الذي يكشف الآن عن وجهه الحقيقي حين يتحول الى حرب ابادة للشعب الفلسطيني. قيمة الانتفاضة الحقيقية انها تستعيد للشعب الفلسطيني ما تم التخلي عنه في المرحلة السابقة, وتظهر للعالم ان القضية كانت وما زالت قضية شعب يريد حرية واستقلال, ومن حقه ان يقاتل في سبيل ذلك بكل الوسائل, وقضية احتلال نازي يخالف كل القوانين ويعتدي على كل الشرائع ويضرب عرض الحائط بكل القرارات والمواثيق الدولية, وقضية عالم عربي يدرك أن أمنه مرتبط بتحرير فلسطين وبانتهاء الاحتلال الاسرائيلي وبضرب المشروع الصهيوني الذي لا يهدد الأمن العربي فقط بل يهدد الوجود العربي ذاته, وقضية عالم اسلامي يدرك مسئوليته نحو القدس, وقضية الشعوب والحكومات الصديقة التي تعرضت للخديعة حين صوروا الأمر لها على ان (أوسلو) قد حققت المعجزة وأقرت السلام العادل, ففتحت أبوابها التي كانت مغلقة أمام العدو الاسرائيلي قيمة الانتفاضة الأساسية أنها أعادت فلسطين من بحر الأوهام إلى أرض الواقع ليكتشف الجميع انها ما زالت تحت الاحتلال, وان القدس يتم تهويدها, وان الاقصى تحت الأسر, وأن كل ما تحقق عبر أوسلو هو فتح الباب لتصفية القضية الفلسطينية لا لحلها حلاً عادلاً. قيمة الانتفاضة انها أعادت ثقافة المقاومة ليس فقط الى الشارع الفلسطيني ولكن الى الشارع العربي والاسلامي, ومن هنا تجري محاولات التطويق والحصار, فاسرائيل تعرف خطورة ذلك وتفهم حرب المقاومة هي معركتها الخاسرة, وأمريكا تدرك ان اندلاع روح المقاومة سيجعلها تدفع ثمن انحيازها ضد مصالح الأمة العربية, وأنظمة عربية عديدة ــ بما فيها السلطة الفلسطينية نفسها تعرف ان المقاومة ستدمر فرص التسوية الذليلة, وستفتح الأبواب لقوى أخرى تعرف كيف تفرض السلام العادل من خلال المقاومة, وتعرف كيف تضع كلمة النهاية لمسيرة التنازلات الفلسطينية منذ أوسلو, وتعيد القضية الى حقيقتها البسيطة الواضحة, قضية أرض محتلة لابد أن تتحرر, وحقوق ضائعة لابد أن تعود, وسلاح تم التخلي عنه لابد أن يستعاد, ومفاوضات لفرض الأمر الواقع الاسرائيلي لابد ان تتوقف, وعدو لابد أن يدرك انه لا سلام الا بعودة كل الأرض المحتلة بما فيها القدس, وضمان حقوق اللاجئين كاملة, وتصفية الأطماع الصهيونية في الهيمنة على المنطقة. وهذا هو جوهر الصراع الذي فجرته الانتفاضة, والذي لم يعد ممكناً ان تحسمه مفاوضات مع أمريكا التي تعلن ببجاحة منقطعة النظير انها لن تقبل أي شيء ترفضه اسرائيل, ولن تحسمه لقاءات مع بارك أو غيره من المسئولين الاسرائيليين على أرضية أوسلو وتوابعها, وانما يحسمه استمرار الانتفاضة وتطويرها لتكون حركة مقاومة فعلية بكل الوسائل, وحرب تحرير وطنية تستمر في طريقها حتى تحقق هدفها. نعرف اننا نتحدث في ظروف صعبة, وفي أوضاع أصبح فيها إغلاق مكتب اسرائيلي في عاصمة عربية لا يتم الا بمعركة قوية وضغوط اسلامية لأنه يتم على غير هوى أمريكا, لكن ذلك لا ينبغي أن يخنق الأمل في النفوس, فقد واجهنا الأسوأ من قبل وعبرنا في 73 وانتصرنا في جنوب لبنان, لأننا أدركنا الدرس الأساسي في حروب التحرير والاستقلال .. ان المفاوضات لن تعطيك شيئاً لا تستطيع أن تأخذه بقوة سلاحك .. وما زال الدرس قائماً!