قبل نحو شهرين نشر كاتب هذا المقال في جريدة (الحياة) اللندنية مقالا حول الانتخابات الامريكية عرض فيه لملابساتها الداخلية والعوامل المؤثرة فيها, وتنبأ بأن يكون الرابح في سباق هذه الانتخابات هو آل جور، ورفيقه ليبرمان وبصرف النظر عمن سوف يعلن رئيسا للولايات المتحدة, بعد هذه الضجة التي تحدث الآن, متزامنة مع اعادة فرز الاصوات بمزيد من الدقة, اثر الالتباس الذي وقع في فرزها في المرة الاولى, وبرغم التأرجح (البندولي) لحصيلة الاصوات بين المرشحين فإن التوقع الذي اثبته في مقال (الحياة) المذكور لا يزال صحيحا الى حد ما فقد حازت بطاقة جور ــ ليبرمان نصف اصوات الناخبين الامريكيين الذين يناهز عددهم الكلي مئة مليون ناخب. وقد ظفر الديمقراطيون بهذه الاصوات على الرغم من التحليلات التي ذهبت الى ان انتماء رفيق جور على اللائحة الى الديانة اليهودية سوف يدفع القاعدة الانتخابية الكبرى في هذا البلد الشاسع الى التصويت للجانب الآخر (الجمهوري) الذي يمثله بوش ــ تشيني, لتكشف الظاهرة ان هذه التحليلات الخاطئة كانت اسيرة للقراءة المغلوطة التي يتبناها الكثير منا للمجتمع الامريكي. ولقد تعلقت انظار العالم في الايام الاخيرة ولا تزال بواشنطن, متأهبة لسماع اعلان الفوز لأي من المرشحين اللذين يتحرك كل منهما ــ على ايقاع صناديق الاصوات ــ (خطوة للأمام... خطوة للخلف) في سباق مستعر تتقارب فيه النتائج بصورة تفتح الامر على كل الاحتمالات وهو ما لم يحدث منذ عقود. لكن تعلق العالم كله بهذه الانتخابات كأنه يشاهد مباراة كرة قدم امريكية بين فريقين متكافئين يثبت مجددا ان ما يحدث في امريكا, بصورة خاصة يؤثر في كل أرجاء العالم سواء بالسلب او بالايجاب, بحسب نوع الخيوط ولونها التي تربط بين الاقليم المعين وواشنطن. وهي الظاهرة التي بدأت تظهر على سطح السياسة الدولية منذ بدايات النصف الثاني من القرن العشرين, والمتوقع ان تستمر في القرن المقبل الموشك على الابحار بشراع امريكي ايضا. فلقد تشابكت المصالح الامريكية من جهة والمصالح العالمية من جهة اخرى, حتى اصبحت العولمة (وهي اختراع امريكي المنبت) هي الصبغة التي تلون وجه العالم السياسي الراهن, وقد غدت امريكا, بتركيبتها الاقتصادية والعرقية هي (عولمة) ــ بحد ذاتها ــ فعناصر التفوق التي يعرفها الجميع, من اقتصاد وسياسة وقوة عسكرية, جعلت المصالح الامريكية تنتشر وتتوزع على خريطة العالم بصورة تصعب مقاومة تداعياتها, وهو ما جعل السياسة الخارجية الامريكية توشك ان تكون (عولمة) قائمة بذاتها تتجاوز المحيط المحلي للولايات المتحدة, او هي عولمة فوق امريكية! هذا التشابك الشديد بين ما هو (امريكي) وما هو (عالمي) لم يعد يسمح للتيار السياسي الذي يتبنى فكرة انعزال الولايات المتحدة على العالم الخارجي بأن ينفذ سياسته (الانعزالية) هذه. فالولايات المتحدة لا يمكنها ان تقصر سياساتها على قضاياها المحلية, بحيث لا تتعدى شواطئها المترامية على المحيطين الاطلسي والهادي, لأن الحقيقة الواقعية تثبت ان كل احداث العالم لها تأثير في المصالح الامريكية, ومن ثم فإنها تؤثر بالشأن الامريكي وبالانتخابات الامريكية, كذلك بما يثبت ان ما يحدث في الولايات المتحدة الامريكية يتجاوز ــ قطعا ــ محيطها الجغرافي. وان أردنا ان نذكر بعض هذا التأثير والتأثر في النصف الثاني من القرن العشرين فسنجد الكثير من الاحداث مما يمكن الاشارة اليه, فدوايت ايزنهاور الذي كان رئيسا للولايات المتحدة في الخمسينيات تأثر موقفه السياسي ايجابيا بما قام به تجاه العدوان الثلاثي على مصر, حيث اتخذ موقفا مضادا وقتها من هذا العدوان, فارتفعت شعبيته بسبب ذلك الموقف, اما الرئيس لندون جونسون فقد اضطر الى ان يعلن عدم خوض الانتخابات الامريكية للرئاسة, من جراء الفشل الذريع الذي واجهته سياساته في فيتنام, وهزم جيمي كارتر, على الرغم من انه كان عراب كامب ديفيد الاولى والشاهد على اول توقيع سلام بين دولة عربية واسرائيل, هزم امام رونالد ريجان بسبب ازمة الرهائن الامريكيين في السفارة الامريكية في طهران في نهاية السبعينيات وهكذا نجد ان بيل كلينتون الذي دخل البيت الابيض واعدا الناخبين بالتفرغ للشئون المحلية, وجد نفسه غائصا حتى اذنيه في سلام الشرق الاوسط المزعزع, ومضطرا الى ارسال حملة عسكرية الى يوغسلافيا, ومتوسطا في مشكلة معقدة هي قضية ايرلندا الشمالية, فلم تعد امريكا اذن دولة تعزلها البحار عن بقية العالم, بل هي دائما هناك في كل بقعة من بقاع العالم المضطربة. فهناك اليوم ربع مليون جندي امريكي يعملون خارج الحدود, ينتشر معظمهم في احدى عشرة دولة من اليابان الى دول حلف الناتو الى الشرق الاوسط, وتتعرض بذلك المصالح الامريكية لارهاق وضغوط متعددة, تضطرها الى اقامة تحالفات واسعة لحماية مصالحها, بعد ان وجدت نفسها معنية اكثر من اي وقت مضى بالمشاركة في قضايا ومشكلات العالم, وهو ما يلقي على الرئاسة المقبلة مسئولية جسيمة ودورا كبيرا. ففي ما يخص الشرق الاوسط على سبيل المثال, هناك ثلاثة ملفات كبرى يتعين على الرئاسة المقبلة للولايات المتحدة ان تواجهها. اولها وأكبرها: ملف المسيرة السلمية بين الفلسطينيين واسرائيل بداية, ثم بين اسرائيل وجاراتها العربيات, بعد ذلك او بالتوازي معه. وهو ملف معقد ومتداخل, بذلت حياله الادارة الامريكية والديمقراطية التي تتأهب للرحيل بقيادة بيل كلينتون كثيرا من الجهد والطاقة, ومارست على اطرافها كثيرا من الضغوط, وبالرغم من ذلك لا تزال القضية المشكلة تراوح مكانها وتحتاج الى من يعيد دفعها من جديد حتى تبارح خط البداية, خاصة ان هذا الملف يتشابك مع ملفات سياسية واستراتيجية, كالإرهاب والوضع في العراق والعلاقة مع الدول العربية ودول الشرق الاوسط وهي قضايا زادت من حساسية الملف وسخونته, مما يجعل ضرورة التوصل الى حلول مرضية ودائمة وشاملة واحدة من اولويات القادمين الجدد الى البيت الابيض, خاصة لما يعنيه هذا الملف من اقتصاد ونفط ومصالح اخرى للولايات المتحدة. هذا الملف ان تخلت عنه الادارة الجديدة او سوفت في حله, فستجد نفسها تحارب على اكثر من جبهة وكل ملف يفتح امامها على صعيد السياسة الدولية سوف تجد ان به بعض الاوراق من ذلك الملف المعني بمسيرة السلام في الشرق الاوسط. وقد ادت التطورات في السنوات القليلة الاخيرة, خاصة بعد التوحش الاسرائيلي ضد الفلسطينيين العزل من جهة وتعيين لجنة تقصي الحقائق التي يرأسها امريكي وترعاها الولايات المتحدة من جهة أخرى, كل ذلك ادى الى اعطاء هذا الملف حيوية ونبضا دائمين, حيث ادت انتفاضة الاقصى من جهة, واستعداد اسرائيل لتقديم بعض التنازلات الى تسريع ظهور هذا الملف على الاجندة الدولية والامريكية على الاخص من جهة أخرى. اما القضية الثانية التي ستجد الادارة الامريكية الجديدة ملفها يحتل اهمية على سلم أولوياتها فهي الارهاب, بأشكاله المختلفة. وهو ملف ايضا معقد وشائك, ومستمر, فما زالت قضية تفجير السفينة الحربية الامريكية (كول) في ميناء عدن عالقة بين ارخاء وجذب وما زالت بعض قضايا القبض على اشخاص متهمين بالاخلال بالأمن ومهاجمة اهداف امريكية تقض مضجع العمل الاعتيادي لمؤسسات امريكية رسمية وتجارية في مناطق كثيرة من الشرق الاوسط, كما لا يزال التثقيف العام والذي يصب باتجاه (العداء) لأمريكا منتشرا في ادبيات كثيرة في الشرق الاوسط, بل ان بعض النشاطات الارهابية المادية او الخطابية, ذات الجذور النابعة من مشكلات في الشرق الاوسط, قد وجدت نفسها منطلقة او موجهة الى أراض غربية او امريكية ايضا, حتى كادت السحنة الشرق اوسطية بحد ذاتها تستدعي الاتهام وتثير الشكوك في المرافىء الامريكية. امام هذا الملف المعقد تجد الولايات المتحدة نفسها عاجزة عن متابعة مصالحها الاعتيادية بين هذه الالغام المتفجرة, لأن الارهاب بدأ يصيب هيبة الولايات المتحدة ذاتها, ويهدد سيطرتها على النظام العالمي الجديد, ولعل احد فروع الارهاب التي سوف تجد الادارة الامريكية الجديدة نفسها في مواجهة معه هو ارهاب الدولة, والتي تمثلها في الشرق الاوسط الحالة العراقية, فقد افلتت سياسات النظام العراقي المتحدية والمستفزة من قبضة الديمقراطيين في فترتين متتاليتين من الحكم, كما تدهور الوضع الاقتصادي والمعيشي الشعبي للعراقيين العاديين في الوقت الذي اغتنى فيه افراد النظام والحاشية من جراء استغلالهم العقوبات على العراق بشكلها الحالي لمصلحتهم الذاتية برغم ان النظام العراقي قد كفت يده عن السيطرة على بعض المناطق في العراق كالشمال وإلى حد ما في الجنوب, لكنه انتهز فرصة الانشغال بالانتخابات الامريكية في الاشهر الاخيرة القليلة, واستفاد من الوضع الذي هيىء له بارتفاع اسعار النفط, وحاجة بلدان عدة اليه كما استفاد من الوضع العاطفي الذي نتج عن انتفاضة الاقصى, فوسع من طموحاته في مجال ارهاب الدولة ضد مواطنيه وبدأ من جديد بتهديد جيرانه, وهو امر ــ ولا شك ــ يشكل تحديا امام الادارة الامريكية الجديدة لخطورته على استقرار منطقة تعتبرها الولايات المتحدة من المناطق الاستراتيجية المهمة في العالم. ولعل هذا الملف: ملف الارهاب الدولي, تتعامل معه المؤسسات الدولية على طريقة النفس الطويل, ودليلنا على ذلك القبض على المتهمين وتجريمهم بتفجبر الطائرة الهندية بعد عقود من وقوع الجريمة وكذلك القبض على زعيمة الجيش الاحمر الياباني بعد ثلاثة عقود من المطاردة. القضية الثالثة هي الملف الاقتصادي وعلى رأسها النفط, وذلك انه من الراجح, حسب رأي محللين عدة, ان المستوى غير المسبوق تاريخيا من الانتعاش الذي بلغه الاقتصاد الامريكي, قد تحقق جزئيا من رخص اسعار الطاقة في اسواق الولايات المتحدة, وحلفائها الغربيين والدول الصناعية, ومع ارتفاع اسعار النفط بالصورة الراهنة, فإن هؤلاء الحلفاء سوف يتطلعون شطر الولايات المتحدة لمساعدتهم في الحصول على اسعار مناسبة للطاقة والا اضطروا الى التوجه الى اماكن اخرى لتسهيل الحصول على مصادر مناسبة للطاقة تقيهم شر مواجهة عصيان مدني في بلدانهم يكلفهم كراسيهم على المدى الطويل, برغم ان بعض هذه المناطق ليست على وفاق سياسي مع الحليفة الكبرى. لذا فإن الحرص على استمرار تدفق النفط والحفاظ على مستوى اسعاره القريبة مع اسعار السوق, هما امران من الاهمية بمكان بالنسبة الى الادارة الامريكية الجديدة بحيث تنظر اليهما كاستراتيجية قصوى في سعيها لإكمال دورها العالمي. كل هذه الملفات الساخنة يقع مسرحها في الشرق الاوسط, واغلبها عربية المنشأ والانتماء. ولأن الولايات المتحدة تمتلك علاقات مع كثير من الدول العربية, يصل بعضها الى مستوى التحالفات, وإن كانت غير مكتملة سواء في الاطار او المضمون, ولأن واشنطن معنية بضرورة استمرار ودعم هذه العلاقات والتحالفات, المهمة للطرفين معا, فإن الادارة الجديدة المقبلة الى البيت الابيض يتعين عليها بذل المزيد من الجهد في هذا الاتجاه تحقيقا لمصالح الاطراف جميعا, وهو الأمر الذي ستتضح ملامحه تدريجا بدءا من يناير المقبل.