انطلقت بنا السيارة العتيقة والفسيحة أيضا تشق الطريق الزراعى فى طريقها إلى مدينة (دسوق) قرب فرع رشيد الى الشمال الغربى من دلتا نهر النيل.. كنا سبعة ممن أدركتهم حرفة الفكر والصحافة وهموم السياسة والعروبة.. وما يتوالى مع هذا كله من قضايا العولمة وهيمنة القطب الواحد ونقل التكنولوجيا وسياسة احتواء الصين والدعوة الى الشفافية وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني, إلى آخر ما يشغف المثقفون بترداده من مصطلحات وألفاظ وشعارات, بعضها يفهمه خلق الله, وكثيرها يكاد يستغلق على جمهرة البشر, وخاصة فى أمصارنا اليعربية الماجدة.. لدرجة يتصور معها الناس أن الاخوة المثقفين, أو (النخبة) وهى المصطلح الذى لا استلطف ايقاعه وخاصة صيغة الجموع النخب, ومع ذلك أجد نفسى مشدودا أو بالأدق مسوقا إلى ترديده تأسيا بعتاة المثقفين نقول لكأن هذه (النخبة) أصبحت بمثابة جمعية سرية أو نحلة باطنية يستخدم أصحابها رموزا وشفرات وطلاسم ومصطلحات يعرفونها فيما بينهم ولا يعرفها غيرهم.. بل قد يلذ لهم أحيانا أن يلوكوها أمام الملأ الطيب.. (الدوغري) من عباد الله.. يتبادلونها على مسمع من هذا الملأ الذى لا يفهمها أو لم يسمع بها وكأنها كرة غير مرئية.. فى لعبة أثيرية يجيدها اللاعبون من نخبة.. الانتلجنسيا. (وهذا بدوره من مصطلحات الجمعية السرية المذكورة أعلاه) وقد يراودهم علم الله شعور هو مزيج من الخيلاء والنرجسية والتشفى فى آن! ظلت السيارة العتيقة تجوس خلال دروب وشعاب بين القرى والدساكر (كم استخدمنا الكلمة الأخيرة فى تصور انها تعنى الضيعة الصغيرة أو ما يرادف النجع فى لغتنا ولما تراءى لنا يوما أن نكشف عن أصلها فى المعجم.. راعنا انها فى جذر اشتقاقها الفارسى تعنى القرية الكبيرة.. أو العظيمة ومن ثم كان تصورنا موهوما من ناحية, ونحسب أن بات يتعين على الكاتبين والناطقين فى لغتنا الشريفة أن يراجعوا أنفسهم من ناحية أخرى ويمحصوا مفردات ألفاظهم ولسوف يكتشفون أن من كلامهم ماهو مطلق على عواهنه بحيث يحتاج إلى مزيد من ضبط وفرز ومراجعة وتمحيص). السيارة التى شابت على متنها الليالي.. كانت تصدر أصواتا أقرب إلى التوجع والانين.. فلا ندري لها سببا: هل هى طرقات الدلتا المتعرجة ومسالكها التى كانت قد حولتها أمطار الأمس الشمالية إلى دروب من طين أم يرجع الانين إلى شكوى العربة من كثرة ما تردد فى صالونها المهترئ البالى من شعارات السياسة ومصطلحات السوسيولوجيا وآراء أبديت طوال رحلة الساعات الخمس فيما يكاد يكون كل مسألة وكل قضية تهم العالم وتؤرق العصر الذى نعيش فيه.. وما ظنك بسبعة من (المتكلمة) جمعت بينهم هذه الجلسة الطويلة, والطلية أيضا.. ومعهم الأخ (عبده) سائقهم المحترف أن تركنا نسمع أحيانا مصمصة شفتيه أو نلاحظ انقباض ملامحه وقد تقاطر.. بل انهال عليه المسكين وابل المصطلحات عربية وأفرنجية على السواء.. ابتداء من نتائجنا الخائبة فى دورة سيدني (ولم يكن فينا من يفهم فى الرياضة ولا يمارسها) وليس انتهاء باتفاقية النافتا وأثرها على اقتصاد المكسيك, دع عنك بطولات كل أفراد المجموعة, منفردين ومجتمعين فى المنافحة عن قضايا الأمة وحقوق الشعب وحومة التراث, سواء على متن أثير الفضائيات أم فوق أديم الصفحات المنشورة. لماذا أصلا كانت الرحلة الميمونة إلى شمال غربى الدلتا؟ كانت لحضور المؤتمر الشعبى الجامع والختامى لصديق عزيز ورفيق نضال من أهل (النخبة) أيضا كان مرشحا لانتخابات البرلمان المصراوى العتيد فى تلك المنطقة التى تبعد عن القاهرة بنحو 150 كيلومترا أو تزيد قليلا.. ولكنها تبعد عن العاصمة الكبيرة المتروبول أشواطا بعيدة, بعيدة من حيث الاهتمام بالناس وتوزيع الخدمات ومتابعة سير الأحداث. ولأن النهار أصبح قصير الأجل, فقد عاجلنا هبوط المساء.. وحلت حلكة الليل وسكونه ونحن نشق الطريق المظلم وسط زراعات الأرز.. لا تزال الحياة الريفية كما عهدنا رغم أن آخر زيارة ريفية لنا كانت إلى قرية الأهل والعشيرة وقد انقضى عليها ما يقرب من عقدين من الزمن. ان الريف فى بلادنا له ايقاعه الخاص من حيث الصوت والرائحة بل فلنقل الطعم الخاص للهواء. وفى الليل بالذات تتناهى إليك أصوات يختلط فيها نداءات البشر مرهقة وئيدة ربما بعد ارهاق النهار.. ومعها نوع فريد من سيمفونية الصفير والنقيق و الثغاء والخوار لا يخلو أحيانا من وجيب غريب يصدر عن ماكينة طحين ريفية يأتى صوتها أقرب إلى نشيج ملتاع رتيب. انك إذن امام السيمفونية الريفية الخاصة بشمال الدلتا.. أين منها السيمفونية الريفية الأخرى الباستورال التى أبدعها عبقرى النغم لورفيج فان بيتهوفن, ها أنت تعيش ليل الريف فى بلادنا.. سحابات التراب أمام ناظريك ورائحة دخان تتسلل إلى خياشيمك وقد اختلطت برائحة الطين.. (عبير الأرض) كما اسماها يوما شاعر لم ينل حظه من اتساع الصيت والسمعة هو المرحوم فوزي العنتيل وهذا هو بالضبط عنوان أهم دواوينه من الشعر الجديد أو الحديث. فى نفس اللحظة ويا لغرابة المثقفين تتسرب إلى الوجدان أنغام الحركات الخمس التى تؤلف السيمفونى باستورال أو السيمفونية السادسة الشهيرة غير بيتهوفن: وهى من مقام فا الكبير (ميجور) وقد وصفها مبدعها الموسيقار الأشهر بأنها أقرب إلى التعبير عن المشاعر منها إلى جانب رسم المناظر أو التصوير. ورغم أن السيمفونية الريفية فيها ما يمتع الوجدان, خاصة فى الحركتين الثالثة والرابعة وهما تعكسان مشاعر الحبور عند الفلاحين (فى أوروبا طبعا) فإنك تأنس أكثر إلى هذه الظلمة الساجية فى ريف مصر ينيرها قمر فصيح الضياء كاد أن يكتمل بدرا.. ويبددها بين حين وآخر فلاشات السيارات عابرة الطريق الريفى الضيق وهى تتبادل التحية لزوم الونسة وسلامة المرور.. فيما تطالعك من بعيد, في هذه الزاوية أو تلك أضواء الكهرباء من قرية أو محلة أو مصنع أو استاد ريفي متواضع أو ساحة سوق.. فأقرأ الفاتحة إذن للعم عبد الناصر الذي استقوى يوما بعزيمة الناس, وشيد سد أسوان العالي ومد من توربيناته الهادرة شرايين الكهرباء عبر عشرات المئات من الكيلو مترات كي تنير للفقراء والبسطاء الساحات والطرقات والعقول أيضا. ثم لا حاجة بنا أن نسجل بديهية تتكرر في مثل هذه الظروف .. عثرت سيارتنا الصبور في بعض وعثاء الطريق فتوقفت عن الدوران والمسير.. أشرنا إلى سيارة أجرة عابرة كي تحملنا لنلحق بالمؤتمر الانتخابى المقصود ومازال يفصلنا عنه عشرات الكيلو مترات. توقفت عربة الميكروباص الريفية لينزل منها سائق شعث أغبر يسأل ما الخبر: طلبنا أن يحملنا إلى المدينة المقصودة تطلع إلينا السائق بعينيين مكدورتين ونحن في ملابسنا التي كانت بعد اذنك , أنيقة أو إلى الأناقة والوجاهة أدنى وأقرب والمسائل في الريف نسبية بطبيعة الحال ولكنه قال: ــ ليس المهم توصيل البكوات الأهم أن أسأل زميلي السائق عما يحتاج من مساعدة. هكذا علمنا سائق سيارة الأرياف درسا في ترتيب سلم الأولويات واتفق مع سائقنا على مساعدة يبعث بها إليه من المدينة ثم حملنا في سيارته, الهرمة بدورها وكانت تحمل أخلاطا من أهل الاقليم عائدين من طنطا وهي عاصمتهم الزاهرة الكبيرة رحبوا بنا وافسحوا أماكن كي نجلس و لو محشورين بينهم, وحين دارت الاحاديث لم يجرؤ أهل (النخبة) للعودة إلى قضايا العولمة والشفافية والنافتا والنانو تكنولوجيا بل بدأنا نسمع عن مشاكل تسويق الأرز وبطالة الخريجين وانقطاع المواصلات في وصول الشتاء, اتخذت مجلسي في آخر مقعد مستطيل من العربة.. لا أدري من أي مصدر جاءت المياه! أى نعم المياه التي تحت أقدامي في أرضية السيارة حمدت الله أنها مجرد مياه وليست شحنة من سباخ ــ سماد عضوي أو زوج من الأوز أو الأرانب محسوب بين هيئة الركاب.. سألني رفيقي في مودة فطرية عن سبب تشريف بلدهم بالزيارة. ذكرت له اسم زميلنا المرشح الهمام ومؤتمره الانتخابى الموعود.. ثم ندمت لفوري على هذا التصريح المجانى.. فماذا لو كان ركاب السيارة أو اغلبهم من أنصار المرشحين المنافسين.. وفى كسر من الثانية أو فى نانو ثانية كما علمنا الدكتور زويل دوت بين جوانحى عبارات من قبيل: احتجاز (كوكبة) من نخبة المثقفين فى دار ريفية.. أو.. اطلاق سراح رهائن الانتخابات أو.. سبعة من مفكرى الأمة وجهابذتها! يتركون فى طريق زراعية وقد تقطعت بهم سبل المواصلات. .. الخ, لكن رفيقى الفلاح الطيب نفث دخان سيجارته فى مشروع ابتسامة واثقة ليبلغنى بأنه واخواته فى طريقهم بدورهم إلى المؤتمر المنشود.. و... لأن المساحة المتاحة للكتابة محدودة. فقد نعتذر إليك, إذ نحرمك للأسف من نصوص الخطب التى القيناها نحن السبعة مضافا إلينا خطبة اضافية القاها الدكتور عادل صادق أستاذ الطب النفسى الشهير.. الذى التقيناه مشاركا فى المؤتمر. وحسبنا ان نقول ان صديقنا المرشح قد نجح بتفوق على مرشح الحكومة, فنحن, ومرشحنا بعد اذنك أيضا من أهل المعارضة ولا فخر. ومن ثم فقد كان فوزه مؤزرا.. ولا ندرى هل كان هذا النجاح راجعا الى شعبيته وسابق خدماته لأهل دائرته أو أنه راجع إلى مسلسل الخطب (البليغة والكلمات الفصيحة) التى ألقيناها على مسامع الحشود فى المؤتمر الانتخابى الكبير. اننا نميل إنسانيا إلى ترجيح السبب الثانى.. خاصة وقد تحاشينا فى الخطب المذكورة اعلاه أن نأتى على أى اشارة الى قضايا الابارثيد أو القنبلة الديمغرافية أو الشفرة الجينية أو دور ولاية فلوريدا فى مصير الانتخابات الأمريكية.