من شذرات جبران خليل جبران, قوله: (كان الموهوب في الماضي يفاخر بخدمة الملوك, اما اليوم فإنه يدعي خدمة المساكين). وكذلك قوله: (كيف يستطيع مربع الرأس ان يفكر افكارا مسديرة؟. وهو يسمي شذراته (رمل وزبد), مما يعني انه كان عارفا بأهمية الرسالة التي تؤديها شذراته فجمعها ضمن اكثر من كتاب اهمها (رمل وزبد). وقد نحا نحوه صديقه في الرابطة القلمية (ميخائيل نعيمة) فوضع في هذا الشأن اسم (كرم على درب) ليحتوي على (شذرات) من ادبه الراقي الصافي, ضمنه نظراته لشئون الحياة واهتمامات الانسان في علاقاته بالكون والمعرفة والذات الاخرى فيقول: (قالت البقرة لعجلها: لي عليك فضل الحمل.. فأجابها: ولي عليك فضل الرضاعة!). وكذلك (رأت الشاة قصابها يشحذ سكينه فقالت له: احترس يا سيدي من ان تجرح اصبعك). فكان للرابطة القلمية دور في بعث هذا الفن الادبي واعطائه نفسا جديدا يعبر عن اهتمامات الانسان وقضايا العصر.. فن ادبي يتماشى والسرعة التكنولوجية التي يتميز بها العصر, ومن خلال هذا الفن يجد الانسان الجديد الزاد المستعجل من العلم والمعرفة, غير انه لا يفهم من ذلك ان يحل هذا اللون الادبي محل الانماط الادبية الاخرى, لكن يصح القول انه لابد ان يجد مكانا بين سائر الفنون من ان يؤدي الدور الذي وجد له.. والمهم في هذا كله ان تؤدي الكلمة رسالة كاتبها سواء كانت ومضة خاطفة او مقالة مطولة او رواية او قصيدة او مسرحية. وتبقى اشارة الى ان اصحاب هذا الصنف الادبي هم ممن تنزع كتاباتهم نزعة فلسفية تأملية, وممن يقفون من قضايا الانسان والعصر موقف المتأمل الباحث عن وضع حلول للكثير من الاشكالات التي تعترض حياة الناس في التعامل فيما بينهم وعلاقاتهم بالمتغيرات التي يفرزها العصر بكل فلسفاته ومعتقداته وتطوراته واخلاقياته, ويمكننا ان نعتبر (شذرات) الاديب من اصدق ما يخط قلمه لأنه يعتمد على البديهة والعفوية من جهة, وعلى التجربة الشخصية قبل تدوينها من جهة اخرى, فهي ذات ارتباط بحياة الاديب وبتجربته وخبرته الحياتية, يسكبها قلم الاديب في رقة وعذوبة, ويزرعها في قلوب القراء كما يزرع الفلاح بذوره في الارض, او كما يقول (ميخائيل نعيمة) في بعض شذراته التي نختم بها حديثنا هذا: (محراثك من حديد ومحراثي من قصب وحقلك من تراب وحقلي من ورق.. فكلانا مزارع.. وما الفرق الا في انك تبذر من كفك وابذر من قلبي.. فتستغل لتأكل واستغل لآؤكل!!. محمد خليفة