حسابات الانتفاضة 3، بقلم : احمد عمرابي

هل يكون التعامل مع اسرائيل بالاسلوب السلمي ام بأسلوب العنف؟ هذه هي النقطة التي تتعارض عندها رؤيتان فلسطينيتان: رؤية عرفات ومعه طاقم السلطة الوطنية ورؤية الجيل الجديد لفصيل (فتح) بزعامة مروان البرغوثي ومعه في خندق واحد قيادتا (حماس) و(الجهاد). لكن التباين ليس بهذه البساطة والحدية, فإذا شئنا الدقة فإننا يجب ان نقول ان عرفات لا يعارض العنف تماما وان البرغوثي لا يعارض العمل السلمي تماما وانما المسألة هنا مسألة اولوية نسبية, فالرئيس عرفات يرى فيما يبدو ان اسلوب العنف يجب ان يكون خاضعا بالدرجة والكيفية لاعتبارات التفاوض السلمي بينما يرى البرغوثي وجيله ان الجهود السلمية على الصعيد التفاوضي يجب ان تخضع لاعتبارات الشارع واسلوب العنف. هناك ايضا خلاف حول المدى الجغرافي للعنف: هل ينتقل الى الداخل الاسرائيلي ام يبقى محصورا في مواجهات مع القوات الاسرائيلية داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة؟ السلطة الفلسطينية ترفض تماما الضرب في العمق الاسرائيلي.. والمنظمتان الاسلاميتان (حماس) و(الجهاد) تريان العكس.. و(فتح) مترددة ما بين قناعتها الذاتية بوجوب نقل عمليات العنف الى الداخل الاسرائيلي واحجامها عن ابداء تحدى صريح لسلطة عرفات. هذه الخلافات في الرؤى القيادية تنعكس بالطبع على مستوى العمليات الفعلية على الارض فتحدث ارتباكا وتناقضا وغير قليل من الفوضى.. وبالتالي يمكن ان تحول دون تطوير الانتفاضة نوعيا. لقد دلت تجربة (حزب الله) اللبنانية ان افضل السبل لضرب الاسرائيليين في المواجع هو (تكتيك) حرب العصابات الخفية ونصب الكمائن مع تفادي المواجهات المباشرة مع قوات العدو, والمطلوب لتطوير الانتفاضة الفلسطينية نوعيا هو تبني هذا النهج, غير ان الشرط الاول لتبنى هذا النهج هو توحيد القيادة الفلسطينية. يأتي بعد ذلك شرط آخر: اين الامدادات؟ اننا نشهد الآن على الارض الفلسطينية شعبا توفر له بكل فئاته ـ حتى الاطفال ـ كل عناصر الجسارة والاقدام واللامبالاة بسقوط الضحايا, لكنه شعب اعزل إلا من حجارة و(شوية) بنادق تثبت وجودها الوقتي من آن لآخر. والمشكلة المباشرة في هذا الصدد ان القوات الاسرائيلية بسيطرتها الكاملة, على كافة المنافذ للاراضي المحتلة ـ برا وجوا وبحرا ـ تمنع بحزم, لا دخول الاسلحة والذخيرة فحسب, بل ايضا الاغذية والادوية. وليس هناك على الاطلاق ما يمكن ان يشير الى ان هذا الوضع قد يتغير في المستقبل المرئي. لقد ثبت بالتجربة الحية ان الاساليب السياسية السلمية كلها, باردها وساخنها, لم تصل بقضية الشعب الفلسطيني إلا الى طريق مسدود, والانتفاضة السلمية غير المسلحة ليست استثناء من هذا الحكم. واذا اريد لها اذن ان تتطور الى مستوى نضال مسلح فإنه يتعين على القيادات الفلسطينية ان تستنبط وسيلة مبتكرة للتغلب على مشكلة المنافذ المغلقة. وهنا يبرز سؤالان: اولا: هل يمكن استحداث منافذ بديلة سرية؟, ثانيا: هل تتعاون الدول العربية المعنية في هذه المسألة؟

طباعة Email
تعليقات

تعليقات