رحيل الكرى والواقع العربي ، بقلم: علي عقلة عرسان

كانت طريقي هذه المرة الى طرابلس الغرب طويلة وسفري اليها منهكا, لأنني اضطررت لرحلة غير مباشرة عبر عمان, وحين تكون في فضاء عمان وتدخل عمرانها تلفك دوامة من المشاعر العنيفة وتترجح، بك بين النقائض فتكاد تنقض بنيانك ذاته, فهي تغطك بمياه نهر الاردن. ثم تلوحك وتطوّحك في الفضاء فتجف على مشارف جبل النار في نابلس, حيث لظى الدم والحرائق المنبعثة من القلوب والدروب يتناهى اليك وهجه بكثافة لم يعهدها البشر من قبل. وإذا كتب عليك ان تمر طريقك فوق وادي عربة وترى هضاب القدس من بعيد وأنت في الطريق الى ذلك الموقع (المشهود), فإنك لا شك مستعيد نبض الدم في عروق شبان الانتفاضة وأطفالها وهم يواجهون الدبابة والصاروخ وصواعق الحقد الصهيوني بالحجر والصدر العاري, استعادة ذات ابعاد واصداء وأصفاد, فينشف الدم في عروقك لأنك محاصر بالعجز والخيبة والمسئولية وأنواع اخرى من الحصار. وفي عمان وفضائها يهب عليك لونان من عذاب, لا تطيق معهما صبرا فيما يسفيه عليك التاريخ العربي من تراب: فهناك سفارة للكيان الصهيوني, تجسد العدوان والاحتلال والحقد العنصري وقتل الاطفال بدم بارد, وهي لم تغلق على الرغم من نداء الدم العربي والقمة العربية والجماهير الصاخبة في شوارع الوطن العربي كله, وهناك سفع الدم المتناهي اليك مما وراء النهر يختلط مع حركة الجماهير الصخّابة في الاردن التي سعت الى جسر الملك حسين لايصال رسالة الى ما وراء النهر فأعادها الرصاص العربي الى صوابها لكي تعرف ان هناك حدودا (لدولة معترف بها) وأن حدود تلك (الدولة) تبدأ عمليا عند الضفة الاخرى من النهر, ولا يجوز بأي حال وتحت اي ظرف التمادي ولو في الحلم على حدود تلك (الدولة)!؟ ومن لطائف تلك الرحلة وعجائبها ومصادفاتها ان تحلق بك الطائرة فوق العقبة فترى ميناء (أم الرشراش) العربي وقد أصبح (ايلات) الصهيوني, ثم تتابعك الطريق الى ان تخرج من حدود سيناء وقناة السويس وفضاء الاسكندرية. عندما وصلت الى طرابلس مساء ذلك الثلاثاء الرتيب من ايام شهر نوفمبر 2000 كانت الشمس في حلق البحر, و(باب البحر) المشرع لا يتسع لي ولها فإما تمر وإما أمر, ولكنها كانت تسخر من هذا الوهم الذي تملكني للحظة ولم تلبث ان عرّته تماما امام ناظري كما عرت انتافضة الاقصى المبارك وهم العرب وكثير من قادة العالم بما سمي (السلام) مع اعداء السلام التاريخيين في العالم.. الصهاينة. في طرابلس وباب بحرها كان صخب بعض الصاخبين اعلى من تصوري لمدى الصخب بكثير, وهو صخب يكاد يقنعك بمشروعيته, ولكنه هو الآخر يتعرى في لحظات ويتطاير كريش البجع البري في العاصفة ليتكشف لي عن سؤال يديمني سؤالا معلقا: ترى هل يملك المثقفون ما لا يملكه الساسة في وطن العرب حتى يبيع الفريق الاول للفريق الثاني رأيا ورؤية وعلما وحكمة, ام ترى هذا الطين من ذاك العجين, ويوم يصل المثقف الى باب القرار وبيده مفتاحه ينقلب الى سياسي من العيار الثقيل بالمفهوم العربي للعيار الثقيل في السياسة, ويوم ينتقل السياسي من موقع المسئولية يتحول الى مثقف من عيار ثقيل من ذلك النوع المضاد لكل ما قد تأتي به السلطات!؟ منعت نفسي الاسترسال في الافكار ومن اطلاق الاحكام, وانزويت في مساحة من المكان خلتها اضيق من جسمي, انتظر وقتا يحين فيه القول في امر اتينا من اجله: كيف ندعم الانتفاضة عمليا ونجعلها تستمر وتتصاعد؟! وكيف يمكن ان تتحول من وجهة نظري الى مقاومة مسلحة تلحق بالعدو خسائر مثلما يلحق بنا الخسائر, وتكون رأس جسر للعبور من ضفة التسوية الى ضفة التحرير؟! في طرابلس غرقنا في بحر الكلام وبعضنا تجاوز المحيط سباحة حتى خلته يقترب من تلك الصخرة الهائلة على شاطىء (هافانا) التي انطلق منها شيخ همنجواي في رحلته البحرية (الشيخ والبحر) مندفعا وراء سمكة في المحيط, في محيط من المعاناة شديد, ليبدأ رحلة ابداع من نوع آخر.. ولكنه لم يلبث ان نفض ريشه ووثب الى اعلى من تمثال الحرية الامريكي بقفزة مذهلة ثم حط فوقه ليرسم طريق امبراطورية مشابهة لامبراطورية كلينتون ولكن بلون آخر ومن موقع آخر ولهدف آخر.. وخلته, وهو يساوق بين القوادم والخوافي يرتعش من شدة ألمت او حال لم يترك له سيطرة على حاله, خلته سيهوي في البحر من عل مهشم الاسنان والدم يسيل من فمه يكاد يصبغ حتى نقطة من الماء بلون الدم. واشتط بي الخيال الى سرت, وفي سرت مقر الدولة الجماهيرية. هناك كان القائد معمر القذافي مشغولا بحل المشكلات الافريقية المتصلة بالبحيرات الكبرى, ولديه من الزعماء الافارقة والقضايا الافريقية ما يشغله. فركت عيني عدة مرات, ونظرت في الوجوه والسقوف والابواب والنوافذ فلم اجد لي مخرجا من سيل المضنيات المهلكات الماحقات النازلات الصاعدات المنازلات الجن في الفلوات, لم اجد لي مخرجا من ذلك السيل الذي رافقني في هذه الرحلة الا الصمت, وحين لذت به لدقائق قصيرة وجدته ضاق بي ضيقا شديدا, وإذا به يستنفر من قسورة ويشدني من شعري ويطوح بي في ارجاء المكان ثم يقذفني بارادة وعزيمة لم ادرك كنههما حتى الآن, فإذا بي فوق السحاب في طريقي الى دمشق على بساط من شوك القنافذ, ملأ كفي وجفني ولساني شوك الصبار, وفي حلقي سيل مرارة, وعلى شفتي ووجهي بقايا ذهول, وأنا اصغي لخبر جديد عن تشييع شهداء وسقوط جرحى واستمرار ارادة المقاومين لنهج العدو والداعين الى قرع الاذن العربية بالحجر لعله يصل الصوت. جلست ساهما مستلبا من ذاتي وحيلتي وأدواتي, ومن دوحة قطر سمعت ان القمة الاسلامية انقذت نسبيا بحضور من امتنع عن الحضور من اقطار اسلامية رئيسية, لأن دولة قطر اتخذت اخيرا قرار الصحوة الجماهيرية العربية ــ الاسلامية وقطعت علاقاتها مع الكيان الصهيوني. فتنفست الصعداء وخلت انني على بعض الارض لبعض الوقت, وقد عدت من رحلة امر منها رحيل الكرى عن الورى لزمن لا يقاس ولا يرى. والله سبحانه ارحم بخلقه وأعلم بالأمور. رئيس اتحاد الأدباء والكتاب العرب

طباعة Email
تعليقات

تعليقات