إننا نعيش في عصر مميز وقد اصبح من قبيل الكليشيهات الاشارة الا انه لم يسبق للانتخابات الجارية الآن مثيل في الولايات المتحدة ويجلس الامريكيون امام اجهزة التلفزيون متسمرين وهم يراقبون التقارير اليومية المتدفقة من، فلوريدا والمؤتمرات الصحفية المتنافسة التي اقامها معسكر بوش وجور وهكذا فإن انتخابات عام 2000 اصبحت الفاصل الاخير في سلسلة ممتدة من المشاهد الاعلامية المثيرة ومنها على سبيل المثال محاكمة او جي سمبسون ووقائع محاولة تنحية الرئيس الامريكي بيل كلينتون وها هنا الآن نحن بين يدي الانتخابات الامريكية. ويعد الموقف الراهن موقفا دقيقا ويقتضي المبادرة بالحسم ففي نهاية المطاف تتعرض الرئاسة الامريكية نفسها للخطر ولكن حسم هذه الازمة لن يكون بالأمر البسيط ولا السهل حيث ان لها ابعادا سياسية وقانونية بل ودستورية كذلك. ومن جوانب فرادة هذه الانتخابات التقارب الشديد بين المتنافسين حيث يبدو ان الناخبين الامريكيين منقسمون انقساما رأسيا عند المنتصف فمع ادلاء 100 مليون ناخب بأصواتهم بدا ان آل جور قد فاز بالاقتراع الشعبي ولكن بمعدل لا يتجاوز ثلثي الواحد في المئة ولا يتوقف الامر عند ذلك وانما يبدو كذلك ان مجلس الشيوخ الامريكي مقسم بنسبة 50 في المئة للجمهوريين و50 في المئة للديمقراطيين ومجلس النواب كذلك مقسم بشكل متعادل تقريبا بين الطرفين حيث لا يتجاوز ما يحرزه الجمهريون كرصيد يتفوقون به على الديمقراطيين تسعة اصوات فقط من اجمالي 435 مقعدا. ويعد هذا هو الانقسام الاعمق في الهيئات التشريعية في التاريخ الامريكي. ويصبح من الواضح للغاية مدى خصوصية هذه الانتخابات عندما نلقي نظرة على السباقات الفردية لاعضاء الكونجرس وأصوات الخمسين ولاية في اقتراعها على الرئيس وقد حسم عدد يعتد به من هذه الاصوات بفارق لا يتجاوز واحد في المئة هو الذي كفل لمرشح بعينه الفوز على منافسه وتجرى عمليات اعادة فرز الاصوات في عدد من هذه السباقات الفردية. ولكن الكونجرس ليس هو الذي يحتل بؤرة اهتمام الامة وانما الانتخابات الرئاسية التي لم تحسم هي التي شغلت الامريكيين جميعا ولا تزال تشغلهم. ولما كانت الرئاسة الامريكية لا تحسم من خلال الاقتراح الشعبي فإن آل جور ليس بالفائز فالرئاسة تحسم بما يعرف باسم تصويت الهيئة الانتخابية حيث ان كل ولاية تعطي من اصوات الهيئة الانتخابية بقدر ما لها من اعضاء في مجلسي النواب والشيوخ. واجمالا هناك 538 صوتا من اصوات الهيئة الانتخابية 435 صوتا للكونجرس و100 لمجلس الشيوخ و3 لمقاطعة كولومبيا. فإذا فاز مرشح بالأصوات الشعبية في ولاية ما فإنه يفوز بإجمالي اصوات الهيئة الانتخابية لتلك الولاية ولكي يفوز مرشح ما بالرئاسة فلابد له من ان يفوز بما يكفي من الولايات لكي يحصل على 270 صوتا من اصوات الهيئة الانتخابية وهو ما يشكل الاغلبية من اجمالي اصوات هذه الاصوات الانتخابية البالغة 538 صوتا. وفي آخر فرز فاز آل جور بما يكفي من الولايات المتحدة لكي يحصل على 260 صوتا من اصوات الهيئة الانتخابية و من ناحية أخرى فإن جورج بوش ففاز بـ 246 صوتا من أصوات الهيئة الانتخابية ولم يكن قد تم فرز اصوات ولايتين عند هذه المرحلة وهي ولاية امرريجون التي تحظى بنظام فريد يتيح للناخبين الادلاء بأصواتهم عن طريق البريد وبالتالي لم يعرف مصير اصواتها السبعة المنتمية لاصوات الهيئة الانتخابية. غير ان الجائزة الكبرى هي ولاية فلوريدا التي يمكن لاصواتها المندرجة في الهيئة الانتخابية والبالغة 25 صوتا ان تمنح الفوز اما لجور او لبوش. وفي الساعات المبكرة الاولى من صبيحة يوم الانتخابات بدا ان بوش يسبق جور في فلوريدا بمعدل 1700 صوت وذلك من اجمالي 6 ملايين صوت. وكان ذلك تقاربا كافيا لاجراء عملية اعادة فرز بصورة تلقائية. وهذا الاجراء لم, يتم اكماله بعد ولكن مع التوصل لمزيد من النتائج يبدو الآن ان 327 صوتا فحسب هي التي تشكل الفارق الذي يفصل احدهما عن الآخر. وربما لن يتم اعادة فرز اصوات احدى المقاطعات لمدة اسبوع حيث ان احد القضاة قد امر بإيقاف عملية اعادة فرز الاصوات الى ان يتمكن من عقد جلسة استماع تحسم ما اذا كان هناك مخالفات كما يتهم الديمقراطيون في الطريقة التي اجريت بها عملية الاقتراع في تلك المقاطعة وقد وجه الديمقراطيون اتهاما قوامه انه بالاضافة الى مخالفات اخرى فإن 19 ألف صندوق لأوراق الانتخابات قد تم اتلافها ولم تفرز في تلك المقاطعة لأن تصميما خاطئا لصناديق الاقتراع قد ادى الى قيام الناخبين بارتكاب اخطاء في ملء تلك الصناديق. وقد تقدم البعض باحتجاجات فيما يتعلق بمسيرة العملية الانتخابية في ولاية فلوريدا. ففي بعض المناطق هناك اتهامات بتعرض الناخبين للمضايقة بل وللتهديد. وهناك ايضا اشارات الى عملية اساءة في طريقة الفرز وكذلك فقدان صناديق اوراق الاصوات. ويرد الجمهوريون بتوجيه اتهامات بأنه اذا اصر الديمقراطيون على المضي قدما باتهاماتهم تلك فإنهم, أي الجمهوريين ربما يقررون الاعتراض على نتائج الانتخابات في ولايات اخرى حالة فوز جور فيها بهامش ضيق للغاية فعلى سبيل المثال فاز جور بأصوات ولايتي نيومكسيكو وأيوا بفارق 5 آلاف صوت عن كل ولاية كما فاز بأصوات وسكنسن بفارق لا يتجاوز 6 آلاف صوت. وكلا الحزبين يلعب بالنار بالمعنى الحقيقي لا المجازي لهذا التعبير. فمن ناحية وفي ضوء المخالفات التي تم الابلاغ عنها من المهم حسم امر الانتخابات لاي وجود من الثقة العامة في نتيجتها ومن ناحية أخرى من الخطورة بمكان النظر بتدقيق يتجاوز ما ينبغي في العملية الانتخابية فالانتخابات تشبه الوجبات السريعة حيث ان طعمها لذيذ ويتمتع بها الملايين ولكن الناس لا يرغبون بشكل حقيقي في معرفة ما تحتويه شطائرها او كيف اعدت. من الناحية التاريخية كانت هناك على الدوام مخالفات واختلالات في الانتخابات الامريكية اقل بروزا بالطبع. وفي انتخابات رئاسية واحدة فقط على سبيل المثال كانت الرئاسة في دائرة الخطر بسببها وقد تم توجيه الاتهامات والاتهامات المضادة بالخديعة والاحتيال في انتخابات 1960 التي اسفرت عن فوز جون كينيدي على ريتشارد نيكسون بفارق ضئيل. ولكن كانت هناك خلافات عديدة بين تلك المرحلة وبين مناخ اليوم الامر الذي يجعل المقارنة بينهما عسيرة. في المقام الاول فإن اعلام اليوم اكثر تغلغلا ونزوعا الى الاثارة فأجهزة الاعلام اليوم لا تكتفي بنقل الاخبار والتقارير فحسب وإنما هي تصنع الاخبار صنعا. وفي تلك المرحلة السابقة لم تكن قصص الحب التي يخوض كينيدي غمارها تعلن على رؤوس الاشهاد. امام اليوم فإن مغامرات كلينتون العاطفية تحولت الى موضوع المناقشة الوحيد على امتداد 24 ساعة في اليوم و7 أيام في الاسبوع. وعلى سبيل المثال فإن المزاعم المتعلقة بالاحتيال في صناديق الاقتراع عام 1960 قد تم التعامل معها كأخبار مباشرة وموجزة بعد انتهاء الانتخابات اما المزاعم المتعلقة بصناديق الاقتراع في هذه الانتخابات فقد اصبحت موضوعا للتغطية الاعلامية على مدار الساعة. وهناك فارق اضافي يتمثل في الحدة التي تتسم بها المعارك؛ الحزبية اليوم في واشنطن. فربما كان كينيدي قد فاز بانتخابات بتضاؤل الفارق بها بينه وبين منافسه. لكن حزبه كان يتمتع بالسيطرة على الكونجرس. وكما كانت الحال آنذاك فإن الرئيس الفائز تلقى كذلك دعما أوليا من المعارضة. اما اليوم فإنه لا بوش ولا جور يمكنه الاعتماد على الدعم نفسه من المعارضة. فمحطات الاذاعة اليمينية ذاتها التي قادت حملة استمرت ثماني سنوات ضد بيل كلينتون تثير مستمعيها ضد آل جور اليوم وضد الديمقراطيين عامة. وفي غضون ذلك فإن جيسي جاكسون يقود مظاهرات جموع الناخبين في فلوريدا وهذا كله يتم عرضه على شاشات التلفزيون امام جمهور وطني منقسم بحدة الى قسمين متساويين بين الحزبين ومع وجود مثل هذا القدر من المرارة والانقسام فإن حسم الخلاف الحالي لن يكون بالأمر اليسير. وفي ضوء هذه الخلفية فإن الموقف بالنسبة للرئيس المقبل كائنا من كان سيكون موقفا صعبا. ومع فوز جور بالاصوات الشعبية ولو بفارق ضئيل للغاية ومع التساؤل الجاد عن النزاهة في فلوريدا فإنه حتى اذا فاز بوش في عملية اعادة الفرز في تلك الولاية فستكون هناك على الدوام سحابة تحيط برئاسته. وبعض الديمقراطيين الذين لا يزالون يشعرون بالضيق حيال عملية تنحية الرئيس بيل كلينتون التي اعاقت ادارته لن يقر لهم قرارا خلال السنوات الاربع المقبلة. وبالمثل فإنه اذا فاز آل جور في عملية اعادة الفرز والمنازعات القضائية في فلوريدا فإنه سيكون في موقف صعب في غمار محاولته حكم بلاد منقسمة بشدة وحزب جمهوري غاضب. ولكن ما هو واضح تماما كذلك وما قد يبرز في نهاية المطاف باعتباره الرسالة الاكثر اهمية الصادرة عن هذه المسألة برمتها هو ان الولايات المتحدة هي بلاد تعمل على اساس حكم القانون وربما تكون هناك مظاهرات كلمات غاضبة, لكن الامريكيين سواء كانوا جمهوريين او ديمقراطيين يقومون بإعادة فرز الاصوات ويرفعون شكاوى الى المحاكم او يكتفون بالجلوس امام اجهزة التلفزيون ويشاهدون احداث الدراما. والاخطار هائلة والمشاعر محتدمة تماما والفائز سيواجه حكومة منقسمة ومجتمعا مقسما. لكن لن تثور ازمة دستورية ولن تندفع دبابات في جادة بنسلفانيا. وعندما يطل عام 2001 سيكون الرئيس كائنا من كان قد احتل مكانه في البيت الابيض. وكما اشار الرئيس كلينتون عقب الانتخابات: (لقد قال الشعب كلمته وما نحاوله اليوم هو ان نتفهم على وجه الدقة ما قاله) والقيام بذلك سيستغرق بعض الوقت. والا ان يتم وكما اشار الرئيس الاسبق جيمي كارتر الذي غالبا ما قام بدور الانتخابات الخارجية: (اننا بحاجة الى ان نلتقط نفسا عميقا ونترك هذه العملية تمضي من تلقاء نفسها). انه مشهد رائع ومحبط في بعض الاحيان وباحث على الشعور بالمعاناة وفي نهاية المطاف قد نعرف الكثير بشكل اضافي عن محتويات الوجبات السريعة وكيف تعد على نحو يتجاوز ما نرغب في معرفته. ولكن فيما يتعلق بشرعية هذه الانتخابات وبالشعور بالرضا من جانب 50 مليون ناخب تقريبا هم الذين سيهزم مرشحهم في الانتخابات, فإن جميع المسائل المعلقة يجب ان تحسم وتلك هي الطريقة الوحيدة للمضي قدما. رئيس المعهد الامريكي العربي