الجمعة صباحاً.. عقارب الساعة تقترب من الثامنة.. ونسمة هواء ودّعت الصيف واستقبلت الخريف تداعب أوراق الشجر الخضراء المتعانقة مع زرقة البحر على امتداد الكورنيش.. أما الشمس في هذا الوقت المبكر إلى حدِّ ما من الصباح وهذا التوقيت من شهور العام فقد كانت ترسل أشعة شديدة الضياء ذات حرارة معقولة يمكن احتمالها. كان الباحثون عن الرشاقة والقابضون عليها بأسنانهم الخائفون من تسربها من بين أيديهم بعد أن أجهدوا أنفسهم شهوراً وربما أعواماً للوصول إليها يحتلون ممر المشاة ذهاباً وجيئة.. مشياً وهرولة وجرياً, بينما كان فريق آخر منهم على دراجاتهم الهوائية يغازلون الرشاقة على طريقتهم الخاصة في الممر المخصص للدراجات على الكورنيش الجميل وإن لم يخلُ الأمر من قيام بعضهم بمزاحمة هواة المشي والجري في الجزء المخصص للمشاة دونما سبب مقنع سوى الجهل بآداب الطريق أو تجاهلها عمداً ونقص الثقافة الذي ربما كان ناجماً عن نقص التربية أو مجرد الرغبة في كسر القوانين ومخالفتها. يبدو هذا المنظر مألوفاً لراكبي السيارات التي يتهادى بعضها وينطلق بعضها الآخر مسرعاً على امتداد الشارع ذي الخطوط البيضاء والصفراء الفوسفورية المتسقة, وتتباين مشاعر أولئك الراكبين بين معجب بإرادة ممارسي الرياضة في هذا الوقت المبكر من صباح يوم الاجازة وعزيمتهم وتصميمهم على اقتطاع زمن من اليوم الذي يفترض أن يخصص للراحة لحرق هذا الكم من السعرات الحرارية وإذابة جرامات وإن كانت قليلة من الشحوم التي تراكمت في أنحاء متفرقة من أجسامهم في غفلة منهم ومن الزمن, وبين ناظر إلى ما يقومون به بلا مبالاة أو باستخفاف وربما استسخاف لما يفعلون, مصدر ذلك إما جهل أو ضعف إرادة أو حبٌّ لا يقاوم للكسل والنوم والتلذذ بأطايب الطعام دونما التفات لتحذيرات الأطباء وأخصائيي التغذية الذين تذهب أصواتهم أدراج الرياح, ويقف بين هؤلاء وأولئك فريق ثالث اتخذ القرار باللحاق بركب المشاة والراكضين والدراجين منذ فترة ربما كانت بعيدة.. لكن أسباباً تحول كل مرة دون البدء في التنفيذ ليظل القرار معلقاً بانتظار التنفيذ الذي لا تتهيأ له الظروف المناسبة, وربما ظل كذلك لسنوات أخرى مقبلة لا تقل عن سنوات سابقة والشحوم تزحف غير عابئة بكل ذلك. كانت هذه هي اللقطة الظاهرة للعيان من الزوايا البعيدة للصورة التي لا يتعدى طولها العشرة كيلومترات بينما لا يتجاوز عرضها في أقصى اتساع لها أمتاراً تُعدُّ على الأصابع.. غير ان صاحبنا ــ وقد كان أحد ممارسي رياضة المشي ضمن المشهد العام ــ التقط على مدى الكيلومترات التي قطعها في ذلك الصباح ذهاباً سيتبعه إياب تفاصيل أخرى تستحق التسجيل وإن كان تسجيلها يتطلب شيئاً من التركيز والانتباه اللذين يصعب توافرهما مع الاجهاد الذي يفترض أن يصاحب رياضة المشي وإن لم يكن ذلك مستحيلا.. غير ان شرطاً آخر لابد من توفره يبدو أكثر أهمية, وهو التمتع بقدر لا بأس به من الخيال وملكة التغلغل في أعماق المشهد لاستكشاف خباياه غير غير الظاهرة للعيان, أو على الأقل محاولة تخيل مسافة معقولة من العمق لرسم بعض معالم الصورة, وإن كان سيعتمد في الغالب على افتراضات قد لا تكون صحيحة.. وهذا ما حاول صاحبنا أن يفعله وهو ينقل لنا هذا المشهد. على أحد الكراسي المتناثرة على امتداد الكورنيش كانا يجلسان متجاورين. في زيها الوطني المميز الذي بدا انها قد أمضت وقتاً غير قليل في ترتيب ألوانه وتنسيقها جلست شابكة يديها حول رجليها المضمومتين, وفي حنان ساعد على اضفائه ظرفا الزمان والمكان كان يضع يده على يديها وقد استدار بنصف جسمه ليكون مواجهاً لها بينما كانت هي ترسل بصرها نحو البحر الممتد أمامهما لا يقطعه سوى كاسر الأمواج وبعض السفن والقوارب التي تمخر عبابه. فتاة على مشارف العشرين أو بالكاد قد بلغتها.. ترسل نظرات ساهمة إلى الأفق البعيد وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة زادت نظراتها الشاردة غموضا, بينما كان رفيقها مسترسلاً في حديثٍ ودّ صاحبنا لو كان أكثر قرباً منهما كي يعرف تفاصيله لو أتيح له فهم اللغة التي يتحدث بها ذلك المسترسل في مناجاة بدا تأثيرها على وجهها الطفولي شروداً أو إبحاراً إلى سواحل أخرى لا علاقة لها بالمكان الذي يجلسان فيه. واندماجاً في المشهد أو توحداً مع جليسته ألغى الطرف الآخر أيضاً كل ما حوله من مناظر وبشر يتحركون في كل اتجاه مشياً وجرياً وعلى دراجاتهم, ومضى يحاصرها بحديث متصل تخيل صاحبنا انه لا يمكن أن يخرج عن دائرة الوجدانيات.. غير ان أسئلة ألحت عليه عن ذلك القدر الذي شاء لهما أن يجتمعا في الغربة وحال دون أن يجمع بينهما الوطن. وتساءل عن المدى الذي ستسمح الظروف بأن يذهبا إليه كي يصلا بهذه العلاقة إلى النهاية الطبيعية التي يفترض أن تنتهي إليها. وماذا يمكن أن يكون القدر قد خبأ لهما من أمور لم يحسبا لها حساباً ربما أطاحت بالآمال التي بنيا لها قصوراً في عالم أحلامهما ذي الفضاءات الرحبة منذ أن عملت الكيمياء عملها في وصل الخطوط بينهما؟ يعتقد صاحبنا انه قد أطال الوقوف أمامهما أكثر من اللازم منذ أن وقعت عيناه على اللقطة الغائبة عن كثير من مشاهدي الصورة فيقرر مواصلة المشي وقد أضمر عدم الابتعاد عن دائرة المشهد العاطفي كثيراً بعد أن تملكه الفضول وتزاحمت في رأسه أسئلة كثيرة ما كان لها أن تخطر على بال لولا ظروف اللحظة التي يعيشها وظروف المشهد الذي التقطه.. فهذان الجالسان على بعد أمتار منه في هذا الصباح الباكر من يوم العطلة الأسبوعية غير عابئين بالصخب القليل حولهما هما ــ إذا ما وضعنا الموضوع في حجمه الطبيعي ــ وجهان عاديان من مئات وربما آلاف الوجوه التي نراها كل يوم فلا تثير فينا الاهتمام الذي يحسه في هذه اللحظة إزاءهما.. هذا المسترسل في مناجاة عاطفية كبطل من أبطال الأفلام الرومانسية, وتلك الأميرة التي توّجها على عرش قلبه وانطلق يبثها مشاعره إذا ما جردتهما من ظروف الموقف عادا كسائر البشر تحاصرهما هموم الحياة ومتطلباتها ومشاكلها التي لا تنتهي, ولكنهما في هذا الموقف بكل ظروفه المساعدة وأجوائه من طقس ومكان وزمان قد خلعا عن نفسيهما كل أردية الوظيفة والمكانة الاجتماعية والطبقة والمستوى المادي, ولم يبقيا عليهما سوى رداء واحد هو رداء الإنسانية بكل ما تحمله من مشاعر يتساوى فيها الغني والفقير والعامل ورب العمل والبشر جميعاً على اختلاف أوطانهم وألوانهم وأصولهم وأديانهم ومذاهبهم وقوتهم وضعفهم. كان قد ابتعد قليلاً عن المكان الذي يجلسان فيه تتجاذبه رغبة في العودة لمتابعة المشهد وإحساس بالتطفل على خصوصية الوضع عندما حانت منه التفاتة للوراء ليشاهدهما يقومان من على الكرسي ويتجهان متشابكي الأيدي للسور المحاذي للبحر.. يقفان قليلاً ثم تنفصل اليدان لتبتعد هي آخذة طريقها إلى الشارع بينما يقف هو ملوحاً لها بيده حتى يخفيها الطريق ليعود ميمماً شطر البحر مرسلاً بصره نحو ذلك الأفق الذي كانت رفيقته قبل دقائق شاخصة له.. عندها فقط يقرر صاحبنا أن ينصرف لشأنه الذي أخذته اللقطة العاطفية منه وليس ثمة ما يشغل باله سوى تلك القصة التي لن يتاح له متابعة فصولها والنهاية التي ستؤول إليها, وإن كان قد تمنى من صميم قلبه أن تكون نهاية سعيدة, فليس في هذا الوجود أسمى من مشاعر صادقة لم تصل إليها المياه الآسنة التي تعكر النبع وتسد مجرى النهر فلا تعود المياه النقية الصافية تمدّ شجرة الحياة وترويها حتى تجفّ أوراقها وتتساقط, ولا تعود الأيام تحمل لنا مشاهد كهذا المشهد الذي أسعد صاحبنا ذات صباح خريفي جميل مفعم بالحياة.