لو كانت نقلات الانتفاضة خاضعة لتنظيم علوي دقيق وشامل لتحققت غايتان: اولا خفض معدل الخسائر البشرية الفلسطينية الى ادنى حد.. وثانيا, تسديد ضربات مخططة بدقة متقنة الى مواجع العدو (على غرار ما كان يجري للجنود الاسرائيليين في الجنوب اللبناني على ايدي مقاتلي حزب الله). لقد اظهر الشعب الفلسطيني بمن في ذلك اطفاله ونساؤه بسالة هزت العالم كله. لكنها بسالة ينقصها التنظيم.. فقد اندفعت جماهير الشعب لتدخل في مواجهات مباشرة ضد الجنود الاسرائيليين في مشاهد مذهلة وغير عابئة بالبنادق الآلية وقذائف الدبابات والصواريخ الجوية. لكن في غياب العمل المخطط كان الجنود الاسرائيليون يتصيدون الشباب والأطفال في سهولة. والمفارقة الغريبة ان الانفلات الجماهيري بطريقة عفوية غير منظمة لم يكن بسبب انعدام قيادة وانما لتعدد القيادات مع اختلاف الرؤى. في أن معا كان هناك ثلاث قيادات مستقلة عن بعضها البعض: القيادة الرسمية المتمثلة في السلطة الوطنية الفلسطينية.. وعلى خط مواز لها قيادتان في الشارع هما (فتح) من ناحية وائتلاف قيادتي (حماس) و(الجهاد الاسلامي) من ناحية اخرى. وبينما كان جل نشاط السلطة محصورا في اطار الاتصالات الخارجية ذات الطابع الدبلوماسي كان قادة (فتح) والجماعتين الاسلاميتين منهمكين في توسيع الفعل الجماهيري على الارض ومحاولة تصعيده. اجل برز في مرحلة ما من مسار الانتفاضة نوع من الوحدة الوطنية بين هذه القيادات بمبادرة من السلطة فيما بدا. فقد شكلت (لجنة متابعة) للانتفاضة في كافة الفصائل لتكون بمثابة (رئاسة اركان). لكن مع تسارع الايقاع الجماهيري جاء تشكيل اللجنة على عجل ودون روية مما جعل نشاطها محصورا في اعمال يومية خطيرة مع غياب التخطيط الاستراتيجي. ومما هو جدير بملاحظة خاصة في هذا الصدد ان الانتفاضة اشتعلت بينما كانت قيادات وعناصر هامة في (حماس) و(الجهاد) داخل المعتقلات. ولذا فانه عندما اخرجت السلطة عنهم بتوجيه من الرئيس عرفات كان هاجسهم الاول هو اعادة ترتيب وبناء خلاياهم على حساب العمل النضالي الحقيقي. وهذا مما يفسر لماذا اقتصر العمل الاستشهاد في مدى ستة اسابيع حتى الان على عمليتين فقط لم تكن اولاهما ناجحة تماما. والدرس الذي يمكن استخلاصه اذن هو ان الانتفاضة لن تتطور نوعيا الا اذا استطاع قادة الفصائل الفلسطينية وجهاز السلطة الوطنية بلورة اتفاق استراتيجي على تكوين قيادة عليا جماعية موحدة. هذا هو الشرط الابتدائي والاساس للنجاح في المستقبل.. والا فانه حتى لو استعادت الانتفاضة زخمها مع ترسخ فشل (عملية السلام) فان الشباب الفلسطيني في اندفاعاته الحماسية دون تخطيط لن يؤدي الا الى استطالة قائمة الشهداء دون تحقيق اختراق قتالي, وبالتالي سياسي, ضد العدو. فلماذا وعلى ماذا تختلف قيادات الفصائل الفلسطينية؟