قمة الدوحة الإسلامية: المطلوب استكمال ما بدأته القمة العربية _ بقلم: عبد الكريم محمد

بداية لا بد لنا بعد كل التجارب التي مرت بنا عرباً ومسلمين, بحلوها ــ إن كان ثمة شيء حلو يذكر ــ ومرها, من الاعتراف, بأن الأمة العربية والإسلامية أمة واحدة, لا يفصل بينهما إلا الجانب الإداري ــ التنظيمي, والمواقع الجغرافية المتناثرة بين القارات الثلاث القديمة ؛وأن كل المشكلات التي يعيشها هذا الإطار الواسع, هي مشكلات متشابهة على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي, وذات أبعاد واستهدافات سياسية واحدة, وموجهة من ذات المراكز والقوى التي تسعى لاحتوائها وتفتيتها, بل وتغييبها بشكل قسري عن أداء دورها الحضاري التي أنيطت به على مدى قرون من الزمن, بكل الطرق والأساليب الملتبسة, التي تحمل شكل الترهيب والترغيب. إذن ما دامت الحالة على هذه الشاكلة, بات من الضروري التسليم بجملة من الحقائق التي لا ترضى التأويل أو التسويف أو حتى التأجيل, خاصة وقد وصلنا لحقبة من الزمن تتطلب اختزال عامل الزمن والسرعة في تنفيذ ما نصبو إليه, أو على أقل تقدير ما نتفق عليه حتى ولو كان هذا الاتفاق على الحد الأدنى المقبول, والتقيد بالالتزامات المناطة بنا حكومات ودول ومؤسسات وشعوب. أما جملة الحقائق فتتلخص بما يلي: أولاً: إن العلاقة بين العروبة والإسلام, ليست علاقة مصادفة تاريخية كما يحاول البعض إيهامنا, بل جاءت هذه العلاقة نتيجة موضوعية لمركب متوافق, أملته حقائق دامغة لا تقبل الشك, بداية من الأيديولوجيا الاعتقادية, وانتهاء بالظروف التاريخية الجغرافية, التي حكمت هذه العلاقة من خلال التجانس البيني القائم على احترام الآخر. ثانياً: إن التجربة الحضارية العربية التي اتسمت بالازدهار والتقدم والفرادة والتميز, لم تكن بمعزل عن تجارب الشعوب الإسلامية, التي كانت ولا تزال رافداً ينضح أبناء الأمة العربية من معينها, والعكس بالعكس, والتجارب التاريخية ماضياً وحاضراً لا تزال ماثلة أمام أعيننا, بشكل لا يقبل اللبس, إلا من أراد التجني على المسلمات وتجاهل الوقائع . ثالثاً: وبعيداً عن الأهواء والرغبات والأمنيات, فقد شهدت الثلاثة قرون الماضية والى هذه اللحظة التي نعيشها, أن المخططات الاستعمارية الحديثة, التي استهدفت الأمة العربية, هي ذاتها التي استهدف التوأم الإسلامي بمعزل عن الجغرافيا وأسماء البلدان والأقطار, وقد لا نغالي القول بأنها تتكرر بكل فصولها المأساوية, حتى تصل إلى حالة, ليس من التشابه, بل والتطابق في الكثير من الدول الإسلامية, والشواهد أكثر من أن تحصى. رابعاً: إذا كان الأمر هكذا, بان الارتباط القائم مع الشعوب الإسلامية هو ارتباط عضوية, فلا بد لنا من توظيف هذا الارتباط بما يخدم الشعوب المنضوية في إطار هذه الرابطة, منظمة المؤتمر الإسلامي, والتفكير بخلق آليات ملزمة لحكومات وأنظمة تلك الشعوب, والتي تصب بالنهاية في خدمة مصالحها, بعيداً عن الانغلاق الأيديولوجي, أو العرقي والعنصري الضيق, خاصة وأن الحالة الاعتقادية التي تقوم عليها جملة الروابط, رافضة رفضاً قاطعاً لمثل هذه الأمراض الاجتماعية الخطيرة, والتي يتكئ عليها الآخر كسلاح رخيص في مواجهة الأمة. وهنا ما أريد التوصل له استخلاصاً لبعض الحقائق المدرجة القول أن هذه الأمة المستهدفة بتاريخها وقيمها ومعتقداتها, وبأرضها وحقوقها التاريخية أيضاً, لا بد لها من أن تصل إلى حقيقة غاية بالأهمية, أنه من دون التوصل إلى برنامج عمل ناجز وموضوعي يؤسس لها قاعدة متينة على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية كمقدمة لإرساء علاقات بينية معافاة تتجاوز كل الخلافات التي تقوم على أساس من التنافس الهدام, الذي لا يحمل بين ظهرانيه إلا بذور الفتنة والتفتيت والفرقة والتشرذم. لكن بالمقابل, يجب أن تأخذ هذه الخطوات إذا ما كتب لها النجاح ولو جزئياً, بعين الاعتبار مؤسساتها الخاصة التي اتفق عليها تعاقدياً ومن خلال إرادة حرة, نابعة من قناعة كل أعضائها , مثل جامعة الدول العربية, ومنظمة المؤتمر الإسلامي, والاتفاق على تفعيل دورها, بما يؤمن لها المنعة والقوة على مواجهة كل الأخطار المحدقة بها. وأن تعمل كل الدول المنضوية في هذا الإطار بالحرص الشديد على تقريب وجهات نظرها إزاء كل القضايا المتأججة والصراعات المفتوحة على مصراعيها.وأن تتجاوز اخفاقات مؤتمر القمة العربية, الذي حمل الكثير من وجهات النظر المتباعدة والمتباينة, والتي أسهمت في الحد من فعالية القرارات المتخذة والتي أقرت في البيان الختامي, الذي وقع عليه وزراء خارجية الدول العربية.وأن تعمل هذه القمة كإطار أوسع وأشمل من القمة العربية, على تجاوز ما كان يقال بأن قمة المؤتمر الإسلامي كما القمة العربية ستكون بكل ما سيتمخض عنها من قرارات أسيرة لجملة الاتفاقات التي وقعت مع الطرف الإسرائيلي المدعم أمريكياً ولن تخرج إلا بنتائج هزيلة لايمكنها أن تفي ولو بجزء يسير من المطالب الفلسطينية والعربية والإسلامية. وهنا لابد من إعادة الاعتبار للتفكير الجاد في العودة إلى طرح مفهوم الأمن القومي العربي ومفهوم الأمن الإسلامي بشموليته, كحلقتين مفتوحتين الواحدة على الأخرى, لا تنفصم عراهما, على أساس من القناعة الكاملة لاعادة الاعتبار للمصالح الحيوية للعالمين العربي والإسلامي على كل الميادين. خاصة وأننا وجدنا وبعيداً عن المغالاة واطلاق الشعارات العريضة, وسقف المطالبة والمطالب, في خطوة انعقاد مؤتمر القمة العربية بداية الطريق التي تؤسس لعودة الصحوة العربية كمقدمة لصحوة إسلامية تضع حداً لكل الانهيارات الحاصلة, وتعيد ولو جزئياً الهيبة السياسية لما يعادل سدس العالم المتمثل بالعالم الإسلامي, بعيداً عن الشعارات النارية العاجزة عن فعل أي شئ, وبعيداً عن استحضار الأوهام, التي غالباً ما نلوذ بها من أجل التهرب من مسئولياتنا العربية الإسلامية. لكن يجب التنبه أن عودة الهيبة الإسلامية مشروطة بالكثير من القضايا الشائكة والمعقدة, بل والصعبة أيضاً وتتطلب إرادة مستقلة نابعة من قناعة راسخة, ليست كالإرادة التي تحكم مجمل التوجهات السياسية الراهنة, وهذه الإرادة المسيجة بقناعة راسخة كما أسلفنا, لابد لها وأن تستند إلى مجموعة خطوات وأسس واضحة وبينة, أما الأسس فتتلخص بما يلي: أولاً: يجب اعتبار إسرائيل, طالما أنها لم تذعن للأعراف والقوانين الدولية, ولم ترضخ للحق العربي والإسلامي, عدوة للامتين الإسلامية والعربية, وهي رأس الحربة الحاد الموجه لكل أهدافهما وطموحاتهما في التطور والتقدم والرخاء, وأنها جزء من المشاريع الاستعمارية التي تتجاوز المحيط العربي, لتطال المحيط الإسلامي برمته, أياً تكن المسافات. ثانياً: قضية القدس وفلسطين ليست قضية الشعب الفلسطيني, بل تتجاوز البعد العربي, لتصل إلى البعد الإسلامي, وكل من يتجاهل هذه القضية فهو يسلم بمقدسات الأمة, ويخدم من خلال ذلك أعداء الأمة, آخذين بعين الاعتبار أن هذه الأرض هي وقف إسلامي, وأي خطوة سلمية يجب أن تأخذ بالاعتبار هذه القضية على محمل من الجد. ثالثا: يجب أن تبنى مواقف الدول الإسلامية من الآخ, على أساس من نظرة الآخر وقناعته من إحقاق الحقوق العربية والإسلامية, وأن تكون القضايا العربية والإسلامية بكاملها دون تمييز قضية عن أخرى هي البوصلة التي توجه مواقف العرب والمسلمين, بداية من كشمير مروراً بكوسوفو والشيشان وحصار العراق, وانتهاء بأم القضايا قضية فلسطين التي تعتبر المحطة الأولى والأخيرة للانعتاق من الإهانة والإذلال, وكمحطة مركزية لدحر المشاريع الاستعمارية التي لم تتوقف منذ قرون. رابعاً: يجب اعتبار مصداقية أي دولة تنضوي في هذا الإطار بمثابة الالتزام بالقرارات التي يقرها مؤتمر القمة الإسلامي, وأي خروج عن هذه المقررات يعتبر خروجاً على إرادة هذا التجمع القاري الإسلامي, وأن تستند محاسبة هذه الدولة أو تلك, على أساس من اللوائح الداخلية, والتي تعتبر القرارات المتخذة بحد ذاتها لوائح داخلية ملزمة, إذا تعذر, صياغة لوائح داخلية, لمجمل المشكلات. خامساً: ضرورة اشتراك لجنة منتخبة في مجمل المفاوضات القائمة مع إسرائيل التي تجري تحت رعاية أمريكية منحازة انحيازاً كلياً, وأن تكون هذه اللجنة أمينة على حقوق ومقدرات الأمة, وأن يكون قرارها ملزماً للطرف العربي والإسلامي, بما في ذلك القضايا الأخرى التي نوهنا إليها.وأن تعمل هذه اللجنة أو ما يتفرع عنها لإرساء التصالح المجتمعي في بعض الدول الإسلامية التي تعاني من الكثير من النزاعات الداخلية الدامية, وتعمل على فض النزاعات الإسلامية البينية بين الدول الأعضاء.دون إغفال دور هذه اللجنة وما يترتب على الأعضاء من إجراءات وتحركات سياسية فاعلة, من أجل فرضها في كل المؤسسات الدولية وشرعنتها, أسوة بالمؤسسات الأوروبية المشتركة التي تشترك في الكثير من المشكلات بما في ذلك القضية الفلسطينية وغيرها من القضايا العربية. أما الخطوات الإجرائية, فيجب أن تستكمل ما اتخذ بمؤتمر القمة العربي, وليس العودة إلى نقطة الصفر حتى نعود إلى التسويف واصطناع المواقف الفضفاضة التي لن تنتج سوى شعارات وأوهام تزيدنا انكساراً تلو الآخر, وتتلخص بما يلي: أولاً: العمل على إنشاء مؤسسة مالية مستقرة, لا تؤسس على أساس استنفاري موسمي, وتشرف عليها لجان مالية متخصصة مؤتمنة, تراعي الكوارث والحروب التي قد تصيب هذا البلد الإسلامي أو ذاك, وأن تساهم كل الدول الأعضاء في ميزانيتها, حسب القدرات المالية المتاحة لكل بلد. ثانياً: وقف التطبيع مع إسرائيل, واتخاذ مواقف موازية ضد الدول التي تمارس الانحياز لإسرائيل على حساب الحق العربي والإسلامي, وتنشيط العلاقات التجارية والاقتصادية مع القوى التي تؤمن بتوازن المصالح. ثالثاً: توحيد المواقف السياسية بعيداً عن الرغبات والأهواء الذاتية التي حكمت العلاقات العربية والإسلامية فيما مضى, والتخلص من القضايا الفئوية الضيقة التي تقف حائلاً دون التوصل إلى بناء استراتيجية متوازنة تصب في خدمة الأهداف العربية والإسلامية. رابعاً: أن تقف الدول الأعضاء عن التساوق في فرض شروط مذلة على بعض الدول الأعضاء, وأن تعمل بشكل جاد على مواجهة الادعاءات الغربية التي تنال من المعتقدات الإسلامية, باعتبار أن الإسلام راهناً يمثل مصدر الإرهاب العالمي , بكل الطرق الدبلوماسية, بما في ذلك تفعيل قرار المقاطعة الاقتصادية وغيرها من الأسلحة المتاحة. وختاماً لما سبق يمكننا القول أننا إذا استطعنا أن نرسي ولو جزءاً يسيراً من ما هو مطلوب منا على المستويين العربي والإسلامي, فلن نعود إلى النغمة القديمة الجديدة القائلة, أكلنا يوم أكل الثور الأبيض, وستصبح المؤسسات السياسية العربية والإسلامية, ذات تأثير وفعالية على المستوى القاري بخاصة والدولي بعامة, وسيعاد الاعتبار إلى كل القضايا العالقة, ولن يجرؤ أحد على تهميش هذه القضايا. كاتب فلسطيني مقيم بدمشق

طباعة Email
تعليقات

تعليقات