كان لي شرف تقديم جملة من الملاحظات حول محور التغطية الاعلامية الغربية لانتفاضة الاقصى في الندوة التي نظمتها كلية الانسانيات بجامعة قطر الاسبوع الماضي وتطرقت الى تحليل نموذج الاعلام الفرنسي مقارنة مع الاعلام الامريكي, وهو تحليل يستدعي الوقوف عليه وتفكيك آلياته وفك رموزه حتى نعرف ــ نحن العرب ــ كيف تنظر الينا المجتمعات الغربية التي نتعامل معها على كل الاصعدة سياسية واقتصادية وثقافية ضمن منظومة العولمة. فالرأي العام الفرنسي تصنعه وتوجهه مستويات متعددة من الخطاب السياسي الاعلامي, تبدأ من بعض برامج التلفزيون (6 قنوات كبرى) وتنتهي بمقالات صحف يومية (5 كبرى) وتحقيقات مجلات اسبوعية كبيرة الرواج (5 يمينية وواحدة يسارية ذات ميول صهيونية) كما ان الخطاب الاعلامي الفرنسي يأتي من خلال منشورات ــ واجتماعات ــ النقابات المهنية وهي بالآلاف تغطي كل ميادين النشاط المهني بفرنسا, فالرأي العام في فرنسا يتركب من مستويات مختلفة: 1) اصحاب القرار وقادة الرأي يتأثرون بصحف جدية ومستقلة (لوموند). 2) اصحاب الوظائف والمواقع الوسيطة ورجال الاعمال يتكون موقفهم انطلاقا من برامج الحوار او التحقيقات بالتلفزيون والاذاعة, المسموعة اكثر في السيارات. 3) الرأي العام الشعبي المنقاد كما يسميه د. لطفي عدلي العبد وهو يتلقى ردود فعله من النقابات المهنية ومن الصحف الشعبية. 4) غالبيتها العظمى يمينية وذات ميول صهيونية أكيدة). هذه هي مستويات صناعة الرأي العام في فرنسا ونفهم لماذا انقسم الرأي العام الفرنسي بين متفهم مثقف لحقوق الشعب الفلسطيني وبين رافض جاهل لهذه الحقوق. ولكن الواضح ان الخطاب الحاقد على العرب اصبح اقل رواجا امام القمع الاسرائيلي لاطفال الحجارة وصورة استشهاد الطفل محمد الدرة... لكن ذلك لا يعني تحولا كبيرا في الرأي العام الفرنسي, بل تدرج بطيء وثابت نحو سماع الرأي الفلسطيني لفهم الاحداث ظهرت ليلى شهيد سفيرة فلسطين بباريس اكثر من سبع مرات على شاشات القنوات التلفزيونية وتكلمت عشر مرات في المحطات المسموعة للاذاعة وأدلت بعدد ستة أحاديث لصحف ومجلات كبرى.. وبالطبع ظهر فلسطينيون اخرون (صائب عريقات وحنان عشراوي وغيرهما) لكن خطاب ليلى شهيد كان باللغة الفرنسية المهذبة والمفهومة جدا لدى الفرنسي المتوسط. اما الاعلام الامريكي فهو مخالف لما قد نتصوره نحن العرب فهو خطاب لا يعتمد على CNN وCBS بل على المحطات التلفزيونية المحلية الصغيرة وعددها هناك اكثر من 1321 محطة تخاطب الامريكيين عن كثب, وهي محطات القرب من مشاغل المواطن وذات تأثير حاسم في توجيه الرأي العام الامريكي بينما تظل الصحف الكبرى والمجلات العملاقة (صحف مثل واشنطن بوست ومجلات مثل تايم) تخاطب النخبة التي لها رأي عام مرتبط بمصالحها المالية ولم تعد محل تأثير حاسم مهما كان الخطاب الاعلامي وعندما اخترق اليهود في الخمسينيات تلك المحطات التلفزيونية المحلية الصغيرة, ظللنا نحن العرب نريد نشر مقالة في (نيوزويك او نيويورك تايمز او غيرهما) بدون جدوى فأخطأنا طريق الوصول الى مخاطبة الرأي العام الامريكي في حين اهتدى اليهود. اننا اليوم بإزاء ظاهرة حضارية ــ لحظة تاريخية ــ علينا ان نواجهها بإنشاء استراتيجية اتصالية عربية وشبكات من العلاقات العامة بمصادر صناعة الرأي العام بفرنسا وأمريكا والغرب كله, ثم علينا اقامة آليات عمل وتنفيذ تلك الاستراتيجية وليس ذلك على قادة العرب بعزيز وأنا أوجه ندائي خاصة الى دولة قطر والى دولة الامارات الكريمتين والواعيتين بضرورة هذا العمل الاعلامي وقد سبقتا الى انشاء انجازات اتصالية وتكنولوجية رائدة غيرت ملامح الاعلام العربي واقتحمت بقوة بوابة القرن المقبل المتسارع.