المشهد واحد في كل الثقافات الغربية, مع اختلاف السيناريو هذه المرة في رواية (رحلة العمر) للاديبة الفرنسية انييس. ففي سياق الافكار المكرسة للنهضة الغربية فيما يتعلق بقضايا الاندماج الاجتماعي والتكيف الثقافي المتنوع المشارب في ظل الجنسية الواحدة, تجد فرعاً واحداً نجح في الحفاظ على الروابط الاسرية, لتشبع هذا الفرع بالمرتكزات الواضحة والاصلية في الثقافة الانسانية الاسلامية التي تولي مسألة الرعاية بالابوين اهمية قصوى في لبنات المجتمع الاسلامي, وقد تجد هذه السمة في بعض الثقافات الشرقية. وعلى عكس ذلك, فان صورة المستقبل ترتسم في ذهن الغربي ما ان تطأ سنونه عتبة الخمسين, فالانفصال غير المخير عن الاسرة المتفككة اصلاً امر اعتاد عليه المسن في المجتمع الغربي منذ نشأته. وفي اطار التحليل الموضوعي لهذا المستوى من التفكير المقارن بين مفهومي الرابطة الاسرية, وبخاصة رعاية الابوين المسنين لدى المجتمعين الغربي من جهة والاسلامي والشرقي من جهة ثانية, نستخلص النتيجة من رواية (رحلة العمر) للكاتبة الفرنسية انييس, كنموذج سائد وجدت فيه الكاتبة طرحاً درامياً مؤلماً يسرد بماء الدمع والمآسي فاصلاً من حياة بيئتها... سرداً شجياً اقرب الى نشيد الخسارة والندم, يقدم ابلغ الاجابات وضوحاً على السؤال الذي يؤرق المسنين. في رواية (رحلة العمر) تموت زوجة الفلاح الايطالي الاصل, ويبقى وحيداً داخل منزله وهو لا يقوى على خدمة نفسه, فيلجأ الى بناته اللاتي لم يخلف لهن اخوة ذكورا, ولكن سرعان ما يتهربن منه لانشغالهن بحياتهن الخاصة, وحتى لا يعود الى اي منهن مرة اخرى, قررن مجتمعات ارساله الى ملجأ المسنين, ولما حاول استدرار عطفهن ولم يفلح, لعب آخر اوراقه بتهديدهن بالمطالبة بحقوقه الابوية عليهن عبر القنوات الشرعية. فما كان منهن الا ان اتهمنه بالتسبب في موت امهن, وبناء على هذا الاتهام القاسي تبدد حلمه في ايوائهن له ليدخل برجليه الى دار المسنين. وها هو يجلس كئيباً على مقعده الى جانب امرأة خرساء تماثله في السن يحكي لها قصته منذ طفولته المبكرة التي عاشها محروماً من عطف الاب وحنان الام في مدينة البندقية, الى ان بلغ سن العشرين, حين قرر الذهاب الى فرنسا كمحطة اراد ان ينطلق عبرها من الظلمة للنور, الى ان التقى بالحسناء ميلاني وتزوجها وبقي عليها حتى خطفها القدر من بين يديه, ليواجه اتهاماً ملفقاً بقتلها, وممن؟... من بناته فلذات كبده... فقط ليتهربن من رعايته ويعيشنه بقية عمره في عذاب الانسان الذي نصفه (بالمقطوع من شجرة).