من حسن حظ جيلنا انه عايش اول انتخابات رئاسية امريكية في مطلع الألفية الثالثة, وشاهد على الهواء مباشرة فضيحة تضارب النتائج, وتخبط المسئولين, الكبار منهم والصغار, ووقوعهم مثلنا في حيرة لم تنته بعد, حول من يكون الرئيس الامريكي المقبل الحامل لرقم الرئيس الــ 43, واللهم لا شماتة في احزان الديمقراطية الامريكية. وزاد في الطين بلة, ان كبار الرؤساء انطلت عليهم الخدعة ووقعوا في مطب ثقافة الــ (تك أواي) والمعلومة السريعة, وصدقوا ان الجمهوري جورج بوش هو الفائز, فلا يمكن برأيهم, ورأي الجميع, ان تكذب الــ سي. ان .ان او الــ سي . بي . اس, فهما محطتا الاخبار السريعة والخبطات القوية, وطالما ظهرت على شاشاتهما كلمات (خبر عاجل) أو الـ "breaking news" فإن المسألة جد ولا هذر فيها. لذا, سارع الرئيسان الفرنسي والالماني الى الاتصال ببوش الابن ليكونا اول المهنئين لرئيس زعيمة النظام الدولي الجديد, حتى المنافس الديمقراطي آل جور اتصل كما هو العرف الامريكي الانتخابي مهنئاً. وعاش نصف الامريكيين ساعة من الفرح بفوز بوش, فيما خيم الحزن على النصف الآخر, انقلبت بعدها الاوضاع في لعبة اشبه بالكراسي الموسيقية, وسحب المهنئون المتسرعون التهاني. ولأن الحدث غير مسبوق ومأساوي, فقد بدت امريكا وديمقراطيتها وكأنها في موقف لا تحسد عليه, حيث انكشفت العورات وظهر المستور من صراعات وتناقضات بين الولايات الكبيرة وتلك الصغيرة, بين كبار الاثرياء القابعين على ارقام تقدر بالمليارات, والكادحين من الطبقة الوسطى, والذين يعيشون تحت خط الفقر بين الاقليات, وفوق كل هؤلاء ترفرف قوى جهنمية عملاقة تلعب من خلف الستار الاعلامي والمالي, وتصب في خانة المتلاعبين بالعقول والمصائر. وبانتظار من سيكون الرئيس الامريكي المقبل بعد انتهاء جولات المشاحنات القضائىة, ليس من حق محترفي التزوير في العالم الثالث الشماتة في الديمقراطية الامريكية, او اتخاذ ما جرى ذريعة, او نموذجا يبرر لهم فعلتهم السوداء او ان يحلم احد ممن يحترفون لعبة الارقام الجاهزة لأي انتخابات او استفتاءات بأن يداري سوأته بما جرى في امريكا. خلافاً لكل هؤلاء نجد أننا بحاجة للاعتراف دون خجل, ان الديمقراطية الامريكية مهما تعددت عيوبها, تستحوذ على الاعجاب, من حيث احترام القواعد... قواعد اللعبة, واحترام انسانية الفرد.. سواء كان ناخباً أو مرشحاً, واحترام القانون, والاعتراف بحق كل مواطن في المعرفة.. فكل شيء يجري على الملأ ويشاهده العالم.. حتى الاخطاء كلها مكشوفة وبالتالي يحتفظ المجتمع بقوته وتقدمه.. وأمريكا شيكا .. بيكا.. وعذرا للفيلم الجميل الذي حمل الاسم نفسه. سيد زهران