قد تكون قدرة الشعب العربي في فلسطين على الصمود والتحدي, وحيويته واستعداده للتضحية والعطاء بغير حدود, واستجابته الطوعية للتوحد تحت راية المقاومة, هي الدرس المباشر الذي افرزته الانتفاضة الاخيرة. لكن هذا الدرس, على نصاعته, لم يكن الدرس الوحيد الذي خطته الانتفاضة وضمنته كتابها, وأقرأته للعالم. بل قد لا يكون اكثر من مقدمة مهدت لدروس اكثر عمقا وأبعد اثرا لن تتوقف تفاعلاتها حتى لو خفتت, لوهلة, اضاءات الدرس المباشر, أو غامت بعض حروفه وسطوره, او توقف صناعه, قليلا لمراجعته واعادة كتابته من جديد بحروف اكثر وضوحا ومعان اكثر دلالات. فقد اكدت هذه الانتفاضة استمرارية الصراع مع الاحتلال الصهيوني, وأن كل ما سمي باتفاقات السلام, سواء ما مضى عليها اكثر من عشرين عاما كاتفاقية السلام المصرية الاسرائيلية, أو ما لم تتجاوز الاربع سنوات كاتفاقية وادي عربة الاردنية الاسرائيلية, مرورا بإعلان المبادىء في أوسلو ذي السبعة اعوام بين الفلسطينيين والاسرائيليين, لم تستطع وضع حد لهذا الصراع, او حتى التخفيف من حدته. وبذلك سقطت او اسقطت رهانات كل القوى الدولية والاقليمية التي اعتقدت ان تجزئة الصراع العربي الصهيوني, وتقسيمه الى صراعات قطرية عربية مع اسرائيل يمكن ان ينهي هذا الصراع, وأن يثبت أركان الاحتلال الاسرائيلي. بل ان الانتفاضة اكدت ما هو ابعد من استمرارية الصراع, اذ اعادت لهذا الصراع وحدته بين مجموع الامة العربية وجماهيرها من جهة, والعدو الصهيوني وتحالفاته من جهة اخرى. ولم تتخلف عن الانخراط فيه, وبقوة, تلك القوى والدول التي اعتقدت الادارة الامريكية انها اخرجتها من دائرة الصراع, او حيدتها على الاقل. ومع استعادة الصراع وحدته, استعادت القضية الفلسطينية مركزها القومي او قوميتها, وعادت قطبا موحدا تلتقي عنده حركة النضال العربي بعد ان افتقد هذا النضال قطبه الموحد لفترة طويلة, وبعد ان غابت القضية الفلسطينية عن هذا المركز طويلا, سواء جراء اغواء شعار استقلالية القرار الوطني الفلسطيني الذي استجرت اليه الحركة الوطنية الفلسطينية عامة, رمغالاتها في تطبيقه حتى على حليفها الطبيعي حركة التحرر القومي العربية, معتبرة اي نصح او نقد ايجابي يأتي من هذا الحليف وكأنه تدخل في الشئون الداخلية الفلسطينية, أو جراء رغبة العديد من الاطراف العربية الرسمية, وحتى الشعبية, التحلل من مسئولياتها تجاه القضية الفلسطينية, فشجعت الفلسطينيين على شعارهم ورفعت بالمقابل شعارها القائل نقبل ما يقبل به الفلسطينيون, معفية نفسها من اي دور, ومحملة الفلسطينيين في الوقت نفسه مسئولية اي خطوة يخطونها حتى لو كانت في الطريق الخاطىء دون ان تكلف نفسها محاولة التدخل. لكن الانتفاضة التي اعادت القضية الفلسطينية الى مسارها الصحيح قربت القضية من جماهيرها العربية وأعادت هذه الجماهير الى قضيتها المركزية, ليتأكد من جديد ان وحدة الكفاح لا تأتي الا على اساس الموقف الكفاحي وفي اطاره. ولهذا رأينا الجماهير العربية من المحيط الى الخليج تنضوي تحت راية واحدة, هي راية دعم الانتفاضة. وحتى الانظمة العربية لم تستطع ان تبقى مكتوفة الايدي امام الحالة الجديدة, فتحركت من خلال القمة العربية او خارجها, وضمن الهامش المتاح لها, لدعم القضية الفلسطينية وانتفاضة شعبها, نزولا عند ارادة الجماهير العربية, حتى وإن كانت اجراءات الانظمة قاصرة على مجاراة الارادة الجماهيرية او تلبية طموحاتها. ومع سقوط تجزئة الصراع, سقطت مقولة التطبيع مع اسرائيل. سواء كان التطبيع على مستوى دول او افراد او منظمات غير حكومية وبات الحديث الوحيد المتداول في الشارع العربي, والذي لم تعد الحكومات قادرة على تجاهله, هو إلغاء التطبيع وقطع كل اشكال العلاقات مع اسرائيل, ومنها ما تم وقفه بالفعل, وما تبقى لن يستطيع اصحابه الدفاع عنه طويلا. وأما على مستوى الافراد والهيئات التي انساقت وراء اكذوبة امكانية السلام مع دولة الاحتلال فقد توارى اصحاب هذه المقولة, وراح معظمهم يطلب التوبة, ولا اعتقد أن فكرة التطبيع ستجد بعد اليوم من يتبناها, أو يروج لها. وكما عرت الانتفاضة فكرة التطبيع ودعاتها, فضحت طبيعة المجتمع الاسرائيلي وكشفت اكذوبة ما يسمى بقوى السلام الاسرائيلية, إذ تبين ان هذه القوى اما انها غير موجودة اصلا, وأن كل ما كانت تقدم به نفسها ليس اكثر من قناع تجمل به وجهها القبيح, أو اضعف من ان ترفع صوتها وبذلك اعادت اسرائيل, كقوى وكمجتمع, تقدم نفسها ككيان معبأ بالعدوان يتنافس يساره مع يمينه, ويتسابقان على من يظهر وجهه العدواني اكثر. وتبين ان النظرة العنصرية للعرب هي سياسة وتربية تلقن للأجيال الاسرائيلية, كما بدا واضحا في الشعارات التي اطلقتها الاجيال الشبابية الاسرائيلية في تظاهراتها مطالبة بقتل العرب او رحيلهم, وفي ممارساتها الفعلية لهذه الشعارات بهجماتها المتواصلة ضد قرى الضفة الغربية ومدنها, وضد القرى والمدن العربية في الجليل والمثلث. وبذلك اسقطت اسرائيل نفسها مقولة التعايش بين مواطنيها العرب واليهود, وأكدت الطبيعة العرقية اليهودية لهذا المجتمع. وبقدر ما أسهمت الانتفاضة في الكشف عن طبيعة المجتمع الاسرائيلي, والجوانب السلبية فيه, بقدر ما أبرزت الجوانب الايجابية في المجتمع العربي. ولا اعني هنا ما كشفت عنه من طاقات كفاحية وتضامنية مخزونة لدى الجماهير العربية, فقط وإنما الروح التي تجلت في الاجيال العربية الشابة بالذات مما يعني فشل كل محاولات غسل الدماغ التي استهدفت هذه الاجيال سواء من قبل دعاة القطرية البغيضة في وطننا العربي, او من قبل من حاولوا اغراقها بمظاهر الثقافة الاستهلاكية والسطحية والاغاني الهابطة لصرفها عن قضاياها وقضايا امتها الاساسية, فأكدت هذه الاجيال انها محصنة بوعي ذاتي يستند الى قيم راسخة, وحضارة عربية عريقة, لم تحتج لأكثر من معركة حتى تسقط طلاء الزيف والتشويش والتشويه الذي احاطوها به, وتكشف عن معدنها الاصيل. مما يعزز ثقتنا بالمستقبل العربي. وكما كان العدو واضحا ومحددا بالنسبة للجماهير الفلسطينية, كانت الجماهير العربية ايضا تدرك خصمها الذي تتجه اليه فخصت الادارة الامريكية وسياساتها المعادية للعرب بغضبها وفعالياتها وإن لم تبلغ الحد المطلوب من حيث وضع سياسة معينة ومبرمجة لمقاطعة البضائع والشركات ووسائل النقل الامريكية. لكن اشاراتها وتوجهاتها كانت كافية لايصال رسالتها للجهات المعنية بأن النفوذ الامريكي في المنطقة واستنزاف الثروة العربية امر غير مقبول ولا يمكن السكوت عليه طويلا. قد لا تكون هذه الدروس وحدها هي ما خطته الانتفاضة, وقد يطول او يقصر زمن استيعاب هذه الدروس, لكن القضايا التي اعادت الانتفاضة طرحها وإحياءها لن تعود الى الاختفاء, وهي لم تعد مرتبطة بتصاعد الانتفاضة أو هدوئها, ولا بالأشكال الكفاحية التي ستأخذها الانتفاضة, فقد اصبحت ارثا نضاليا للجماهير العربية وقواها السياسية تمضي بها حيث اهدافها البعيدة. كاتب فلسطيني