مجموعات متناثرة من الشباب يندفعون تجاه جنود اسرائيليين مسلحين ببنادق ومدافع رشاشة اوتوماتيكية. وما أن يبدأ الشبان في قذف الجنود بوابل من الحجارة حتى تنطلق البنادق والرشاشات دقيقة التصويب.. وعلى الفور يسقط شاب او شابان باصابة مباشرة في الرأس او الصدر برصاص حي او رصاص معدني مغلف بالمطاط. في المستشفى او في الطريق اليه تفيض روح جريح او جريحين. موكب التشييع ينقلب الى مظاهرة غضب.. فتندفع مجموعات شباب صوب الجنود الاسرائيليين.. ومن ثم تتكرر اللقطات المتسارعة كشريط اعيد تدويره: حجارة تقذف.. رصاصات تنطلق... قتلى. باستثناء حادثتي تفجير قام بهما استشهاديان وكانت احداهما في العمق الاسرائيلي وحالات استخدام السلاح الناري المتفرقة من الجانب الفلسطيني فإن هذا هو المشهد الغالب في حركة الانتفاضة الفلسطينية ومع مضي الايام والاسابيع ظلت قائمة الشهداء تزداد طولا بصورة شبه منتظمة منآحاد الى بضع عشرات او عشرات متعددة. ولنواجه الحقيقة: بالمعيار القتالي ضد العدو لم تحقق الانتفاضة نتائج يعتد بها.. بمعنى انها لم تحدث اختراقا داخل العمق الاسرائيلي بما يؤدي الى ضحايا بشرية اسرائيلية متتالية بما يمكن ان يحدث حالة من الترعيب المتنامي في صفوف المجتمع الاسرائيلي. ولهذا جاءت نتائج الانتفاضة على الصعيد السياسي داخليا واقليميا ودوليا متواضعة رغم انها احرزت في هذا السياق تقدما لا يجوز الاستخفاف به. يبرز اذن السؤال الكبير: هل تعتبر الانتفاضة تجربة لم يكتب لها النجاح نضاليا وسياسيا؟ وأقول على الفور: لا.. على الاطلاق. فرغم كل شيء نستطيع الآن ان نقول انه جرى ــ على الاقل ــ رسم خط فاصل بين ما قبل الانتفاضة وما بعدها. لقد دخلت القضية مرحلة جديدة او على الاقل صارت على اعتاب مرحلة جديدة. وما هو مطلوب منا الآن اجراء مراجعة موضوعية واستعراض تقييمي لمجمل احداث الانتفاضة وانتقالاتها بغرض معرفة اين مواطن الخلل.. اين السلب وأين الايجاب بأمل أن يؤدي تحديد الاخطاء الى تصويبها في المراحل اللاحقة. لا يمكن لأي مراقب عربي تابع ويتابع وقائع الانتفاضة الفلسطينية بتعاطف حميم وتجرد موضوعي في آن معا الا ان يلحظ بادىء ذي بدء غياب دقة التنظيم. كفيضان ليلي اندفع سيل الغضب الجماهيري في الاواخر من سبتمبر فاجأ القيادات الفلسطينية بقدر ما فاجأ الاسرائيليين. وعلى طول الخط ولمدى اسابيع متتالية ظلت القيادات تلهث وراء جماهير الشارع للحاق بها. وكأنما كان الشارع في العواصم العربية على موعد مع الشارع الفلسطيني.. اذ سرعان ما ترددت اصداء الغضب الشعبي الفلسطيني في القاهرة وعمان والرباط ودمشق وأبوظبي ودبي والشارقة وغيرها من المحيط الى الخليج, حيث خرجت مظاهرات لم يعرف لها مثيل في العالم العربي سواء من حيث الضخامة او الانفعال الجماعي. لكن الانتفاضة لم يكن لها تنظيم مسبق. لقد كانت غضبا وجدانيا عفويا مجردا من التوجيه المخطط.