للمدن القديمة رائحة لا ينساها المرء بسهولة, خاصة عندما تعيش تلك المدن في التاريخ منذ اطلالته وحتى وقتنا الحالي. ودمشق واحدة من أقدم مدن التاريخ, بل انها أقدم عاصمة حية منذ فجر المعرفة. في دمشق ينسى المرء إلى أين سيتجه, ففي قسمها القديم يعيش التاريخ بسطوته التي تحول الحياة الحاضرة الى مجرد حلم سريع, وفي قسمها الحديث يعيش الناس بايقاع عالٍ من العلاقات الانسانية التي تدفعك الى التوغل في حاضرهم لتعرف مدى ترحيبهم بالآخر وتقبله كأنه واحد منهم. لكن وسط دمشق قسم يطول الحديث عنه, فعندما تقطع ساحة المرجة صعوداً إلى محطة الحجاز التاريخية وتتجه إلى سوق الحميدية المسقوف ستجد نفسك قد دخلت عالماً من عوالم ألف ليلة وليلة بأسواقها وباعتها وطريقة عرض البضائع, وسوف يعيقك الازدحام الشديد عن متابعة التفاصيل المنتشرة على جانبي الطريق المؤدية إلى المسجد الأموي, فتفضل ان تنعطف يميناً هارباً من ضجة السوق ومن دعوات صائدي الزبائن الذين يتمتعون بقوة فراسة فيعرفون انك من غرباء المكان والذين يستمرون في تقديم عروضهم المغرية لتزور محلهم الجانبي لان لديهم بضائع دمشقية بنصف الثمن ولديهم كل ما تريد.. أو ما لا تريد, لكن المنعطف الجانبي سيقودك إلى منطقة (الحريقة) ذات الطابع القديم بواجهات المحلات المليئة بالثياب النسائية جيدة الصنع فتلفت نظرك ألوان جميلة وتصاميم اخاذة وتكاد تدخل إلى احدها لتشتري شيئاً ولكنك سرعان ما تغير رأيك وتبقى صديقاً للشارع فتكمل طريقك نزولاً إلى السور الجنوبي للمسجد الأموي والذي تعلوه زخارف رائعة بعضها يستخدم اليوم كعلامات بارزة لشركات تصنيع الثياب والعطور, وخير دليل على ذلك هو العلامة التجارية لـ (فير ساتشي) صانع العطور الشهير التي استوحاها من نقش موجود على الجدار الجنوبي للمسجد الاموي, وحينما تنعطف يساراً ستتلقفك مقاهٍ تراثية تعج بالسائحين الذين سحرهم المكان, فأنسوا إليه وراحوا يدخنون (أراكيلهم) مفردها (أركيلة) وتعني الشيشة وهم يستمعون إلى الحكواتي الذي اعتلى احد الكراسي وسط مقهى النوفرة العريق وراح يسرد سيرة (أبو زيد الهلالي), بينما كان فريق تمثيلي يجسد المشهد فيعلو فوق رأسك صليل السيوف وكأنك في ساحة الوغى, وهذا المشهد كفيل بأن يحول المكان الى شمس ساطعة لشدة الفلاشات التي تطلقها آلات التصوير للفوز بلقطة رائعة تذكر السائح بالمكان الذي اعجبه في دمشق. واذا تابعت السير مخلفاً وراءك المقاهي وباعة الفول والفلافل فان الطريق ستوصلك إلى (باب توما) أشهر وأعرق ابواب دمشق, والذي قام نفر من أهل هذا الحي بتحويل بيوتهم العربية الاصيلة الى مطاعم سياحية توزعت الطاولات فيها حول بركة مياه (نافورة) اثرية, وفي صدر القاعة الكبيرة لأي مطعم من المطاعم ستجد تختاً موسيقياً شرقياً يعزف أنغاماً اصيلة فيختلط صوت المغني بصوت نافورة المياه بأصوات الزبائن لينهض مشهد حي داخل مدينة لا تعرف الملل ولم تجرب الكسل, ولأنك جئت متأخراً إلى أحد تلك المطاعم, فان النادل سيسارع إلى خدمتك ويجد لك مكاناً في غرفة جانبية مطلة على ساحة البيت وبها خزائن مزخرفة وسقف خشبي, ولن تنتبه إلى أن النادلين هم حولك يعدون الطعام أو يحملون الأطباق, فتشعر بالسعادة وانت ترى المشهد العام للمطعم من دلفة الشباك الذي يصلك بالنافورة والموسيقى وهمهمات الزبائن, وسوف تضحك كثيراً عندما تكتشف ان النادل قد اشفق عليك عندما وجدك جائعاً فأجلسك في المطبخ لتتناول الطعام سعيداً غير مبالٍ باسم الغرفة أو مكانتها في البيت, لان مذاق الطعام الطيب انساك التفاصيل والتقاليد الصارمة. سوف يطول الحديث عن دمشق عندما تأتيها زائراً, وسوف تجد نفسك ضائعاً في هذا البحر من الأعراق والتاريخ ولن تعي إلى أي جهة تنتمي, فالحاضر لك والتاريخ مستقبلك, ولا تجد مفراً سوى أن تنشد: شآم أهلك أحبابي وموعدنا آواخر الصيف آن الكرم يعتصر حسين درويش