يعيش العرب اليوم في اوضاع يفترض ان تكون افضل بكثير مما هي عليه. ولا ننكر وجود عوامل موضوعية تؤدي الى الضغط على مواردهم وهدر قدراتهم, مثل الحاجة الى مواجهة الدولة العبرية, سواء في حالة الحرب او السلم, وما تستلزمه هذه المواجهة من نفقات هائلة كان يمكن توظيفها في مجالات اخرى تسهم في التقدم العربي, كالتعليم والبحث العلمي. ولكن من جهة ثانية, فإن ما نملكه من طاقات بشرية واقتصادية وعلمية وبترولية وأراض شاسعة ومواقع استراتيجية يؤهلنا لتبوؤ مكانة اعلى بكثير من مكانتا الحالية, فلماذا اذا لا يقيض لنا ان نحتل المنزلة التي نحن اهل لها؟ هناك في هذا المجال علل كثيرة تنخر في اوصالنا وتقودنا الى ما نحن فيه, مثل التجزئة والنزعة الفردية المفرطة, والاتجاهات القطرية المعادية للقومية, وغياب الديمقراطية, وغير ذلك.. الا اننا في هذا المقال سوف نركز على عامل آخر محدد يتعلق بطبيعة العقل العربي والطريقة غير المناسبة التي اضحينا نفكر بها, مما يعد من اهم اسباب تقهقرنا وتردي احوالنا. ونذكر هنا, أن عقلنا الحديث, مثلا, كثيرا ما يفسر الاحداث والظروف الميحطة بنا, وفقا لذاتيتنا, وانسجاما مع مصالحنا, بعيدا عن الموضوعية والحياد العلمي. وهذا يعني اننا قد نتجاهل الحقيقة, اذا لم تكن في صالحنا, فنحاول ان نختلق تعليلات وتبريرات تؤيد اتجاهاتنا الشخصية ولا علاقة لها بما يجري بالفعل على أرض الواقع. وهذا الوضع يؤدي الى اختلال احكامنا واستنتاجاتنا واجتهاداتنا وابتعادها عن جادة الصواب. ومن نقاط الضعف الاخرى عندنا, اننا عندما نواجه هزائم ونمنى بإخفاقات, نحاول ان نعزوها الى التدخلات الخارجية ونشاطات الدول العظمى والشركات الاحتكارية والصهيونية ومراكز القوى الدولية, مبرئين انفسنا من المسئولية ومتنصلين من الواجبات الملقاة على عاتقنا في السعي الى رد غائلة الغزوات الخارجية بشتى انواعها. ومن جهة ثانية, فإن العقل العربي يتأثر كثيرا بالنواحي العاطفية وبالتأثيرات الانفعالية.. وكثيرا ما يغير انساننا رأيه في مشكلة او حكم ما, بين ساعة واخرى, بتأثير بعض الحجج التي تساق امامه بطريقة انفعالية. وبتعبير آخر, فإنه قد يعارض فكرة ما, ولكن سرعان ما يصبح من دعاتها اذا رأى اشخاصا آخرين يتحمسون لها بقوة. ولعلنا نلاحظ ان الخطب الحماسية تؤدي منذ التاريخ القديم دورا بارزا في حياة العرب. وليس من غير الشائع عندنا ان نجد زعيما عربيا يلقي خطبة مدوية ومجلجلة تتضمن افكارا غير صحيحة وتخالف الرأي العام ولا تنسجم مع الحقائق. ومع ذلك تجد الناس يصفقون له بحرارة فائقة, حتى دون ان يفكروا بمغزى اقواله. وهذا على عكس الحال في الدول المتقدمة حيث لا مكان فيها الا للتعبير الرصين الوقور الذي يعتمد على التحليل والبرهان. ومن السلبيات الاخرى, ان الانسان العربي كثيرا ما يفكر بطريقة روتينية دارجة ويفضل السير مع التيار والسباحة مع الامواج المقتدمة, دون ان يحاول التقدم في الاتجاه المعاكس. وهذا يعني انه نادرا ما يسعى الى مناقشة الآراء والافكار السائدة على نطاق واسع في مجتمعه, وهو يعدها مسلمات لا سبيل الى الجدل بشأنها, على الاغلب. ولو كانت مثل هذه الافكار سائدة في مجتمع متطور, فقد يكون هذا مؤشرا على صحتها وسلامتها. أما عندما تنتشر في مجتمع متخلف كمجتمعنا, فإن هذا يدل الى حد ما, على خطئها, فلابد اذن من مراجعتها. ومن مثالب العقل العربي انه كثيرا ما يحكم على الامور والاحداث من ظاهرها وشكلها الخارجي, لا من اعماقها ومضمونها الفعلي. ونتيجة لذلك, يتعرض للوقوع في مزالق الخطأ في الاحكام, كما تنطلي عليه بسهولة حيل الخداع والتمويهات, مما يضاعف من اخطار الغزو الثقافي الخارجي. هذه مجرد امثلة رمزية عن طرق تفكير الانسان العربي, والعبرة لا تكمن في هذه الامثلة بحد ذاتها, وإنما في دلالاتها ومغازيها. ولنتساءل الآن عن سبب هذا الوضع الشاذ. وفي الحقيقة ليس هناك سبب واحد, وانما العديد من الاسباب الظاهرة والمخفية. وأول مايتبادر الى أذهاننا في هذا المجال, التركة الاستعمارية الثقيلة التي ورثناها من الماضي. ولكن الاهم من ذلك في رأيي عدم توافر درجة كافية من حرية الكلمة, وكذلك تأثيرات الاعلام العربي الموجه والاعلام الخارجي المغرض, ومن المؤكد ان عقل الانسان لا يمكن ان يفكر ويبدع, بطريقة سليمة ومناسبة الا في كنف الحرية, وفي ظل الحيادية والموضوعية وبعيدا عن كل تهديد. وهناك من يزعم ان العقل العربي متخلف بالفطرة وبالوراثة. وهذا زعم جائر, ويشكل مغالطة كبيرة, اذ لو كان الامر كذلك, لما انجب العرب اطباء وعلماء وأدباء أفذاذ لا يشق لهم غبار, من امثال ابن سينا والبيروني والخوارزمي وابن رشد والجاحظ وغيرهم. مجمل القول, ان هناك عوامل خارجية عديدة أدت الى جمود عقل الانسان العربي المعاصر واختلال موازينه فانعكس هذا على مردودنا السياسي. ونعتقد جازمين ان هذا وضع مرحلي ومؤقت. ولابد ان يأتي اليوم الذي يستعيد فيه العقل العربي صفاءه ونقاءه وفاعليته, فتسير امورنا في الطريق الصحيح, ويزول عن كاهلنا كابوس التخلف المزمن الذي طال أمده. كاتب سوري