كما في الحب وفي الحرب كل شئ جائز, فإنه في السياسة أيضا كما في الحب والحرب كل شيء جائز للوصول إلى الهدف, فالسياسة حرب لا تختلف في كثير أو قليل عن الحرب الحقيقية إلا في نوع السلاح المستخدم, وما عدا ذلك في كلتا الحالتين هناك خطط ومناورات, ومؤامرات, وطعن في الظهر, وضرب تحت الحزام, وتسريب لمعلومات كاذبة, واغتيالات أيضا إذا اقتضى الأمر. ويبرر المتحاربون الخروج على اللائق والأخلاقي بأنه العبرة بالنتيجة النهائية, تطبيقا للنظرية الميكافيلية. لكن من يتابع حروب الحب, لا يرى المنتصر فيها بفضل الخداع والتدليس سوى (مغتصب) لشرف المحبوبة الجميلة, والفائز في الحروب السياسية لا يختلف عن ذلك, يصبح أيضا (مغتصبا) لسلطة الحكم التي تحتاج أولا وقبل كل شيء إلى الشرف في التعامل, لأن مستقبل أمة أو شعب لا يمكن أن يصبح لعبة في يد مغامر كل ما يهمه هو الجلوس على كرسي السلطة دون حساب لما يمكن أن ينتج عن اغتصابه لتلك السلطة من آثار مدمرة على الوطن, الذي من المفترض أنه (يشرف) بأن يكون حاكما عليه. لكن بما أن العبرة في النهاية بما يمكن أن يفوز به (المغامر) طالب يد المحبوبة تماما كمن يغتصب (سلطة) الحكم, فإن النتيجة المحتومة هي تشويه الحقائق إلى أن تحين الفرصة لكشفها, ووقتها يكون كل شيء في خبر كان, لأن الآثار المدمرة تكون قد فعلت فعلها ولا سبيل إلى تفاديها. وهذا ما كان من دولة (الأرجنتين) التي كانت في يوم من الأيام توصف بأنها (مخزن غلال ولحوم العالم), وشهدت أوج شهرتها تلك خلال الستينيات من هذا القرن عندما كانت اللحوم (البقرية) المجمدة تحمل اسم الأرجنتين وعلمها, ويتوجه إليها المهاجرون الباحثون عن حياة أفضل. لكن بفضل تنافس (المغامرين) على السلطة باستخدام كل الوسائل الشريفة وغير الشريفة تحولت تلك الدولة البكر, التي تعمها الخضرة وترعى في سهولها قطعان البقر, وتتبختر بين وديانها أسراب الأفراس, التي كانت أيضا من معالم الثراء, تحولت تلك الدولة إلى مجرد ساحة لمغامري السلطة, الذين خدعوا الجماهير باسم (الوطن) في عهد بيرون, وليأتي من بعده العسكر الذين حولوا ذلك الوطن إلى (سجن كبير), وتحولت نساؤه إلى مجرد (حاضنات) للأطفال الذين تتخطفهم أيدي أعضاء (الخونتا العسكرية) (الخونتا باللغة الإسبانية معناها (الجماعة) أو الطغمة والمعنى الأخير اكثر انطباقا على عسكر الانقلابات في الأرجنتين وغيرها من دول أمريكا اللاتينية) وأعوانها لتعوضهم عن فقدانهم خصوبة الإنجاب. ما بين يوم وليلة وفي ظلال القتل والتعذيب تطبيقا لشعار كل شيء في الحرب والحرب والسياسة جائز, بدا أن ضمير تلك (الخونتا العسكرية) قد استيقظ للدفاع عن شرف الوطن, وانطلقت تنادي سجناءها من أبناء الوطن ليشرفوها بالقتال في صفوفها ضد (الإنجليز) الدخلاء, الذين كانوا يحتلون (جزر المالفين) أو (الفولكلاند), كما كانت تطلق عليها تاتشر, وكأن هذا الاحتلال تم فجأة ولم تمر عليه قرون منذ أن وصل البريطانيون إلى تلك المنطقة في زمن توزيع المستعمرات بين القوى الأوروبية القديمة بعد سقوط الإمبراطورية الإسبانية, التي لم تكن تغيب عنها الشمس. ولأن (الخونتا) أو (الطغمة) العسكرية لم تكن تهدف في الحقيقة لتحرير تلك الجزر, وإنما كانت تريد حربا, أي حرب لإبعاد الأنظار عن ممارساتها الوحشية ضد الشعب الأرجنتيني, فقد انتهت تلك الحرب (الغبية) على غير هوى العسكر, فتمرغ شرف العسكرية الأرجنتينية, ومعه تمرغ شرف الوطن في تلك الحرب المفتعلة, لكنها كانت في الوقت نفسه الفرصة الذهبية التي انتهزها الشعب لإحكام حبل المشنقة على أعضاء (الطغمة) لتغادر السلطة ويرقد بعض أعضائها في السجون التي أعدوها لغيرهم. إلا أن معاناة الشعب الأرجنتيني لم تصل إلى نهايتها مع نهاية (الطغمة) وعودة الحكم إلى الشعب كما تقول مبادئ الديمقراطية, فقد فشل الرئيس الراديكالي (راؤول ألفونسين) في إحكام السيطرة على البلاد, وظل يعاني من بقايا ذيول العسكر في الجيش والبوليس من ناحية, ويعاني من ناحية أخرى (مؤامرات) الساسة الطامعين في السلطة تحت شعار (في السياسة والحب كما في الحرب كل شيء جائز), وهؤلاء كانوا على استعداد للتحالف مع الشيطان لإسقاطه, وبالفعل تحالفوا مع من تبقى من أعضاء (الخونتا) وأذيالهم بين من بقى طليقا من ضباط الجيش الأرجنتيني. وسقط الرئيس المنتخب ديمقراطيا (راؤول الفونسين) تحت مطارق مطالب العسكر بالعفو عن جرائمهم, ومطارق الأزمة الاقتصادية المفتعلة التي انتهت بالبلاد من أكبر مصدري القمح واللحم إلى تسول قروض البنك الدولي, ومؤامرات الحزب البيروني برئاسة السياسي الطامع في السلطة (كارلوس منعم). وجه (كارلوس منعم) كل هذه التحالفات لصالحه ليحتل السلطة بوعد منه نفذه بمجرد جلوسه في (القصر الوردي) ليضمن ولاء العسكر وحمايتهم له رغم (عويل) أسر ضحايا هؤلاء العسكر, ومطالبتهم ببقايا أهلهم الذين ذهبوا ضحية زمن الحكم العسكري, ويتحايل على دستور الوطن فيكون أول من يتولى الحكم لفترتين متتاليتين رغم أنف الدستور, لينفذ كل مطالب صندوق النقد الدولي ومن يقفون من ورائه تحت شعار (إنقاذ) الاقتصاد الوطني, فكانت النتيجة (إغراق) هذا الاقتصاد في بحر من القروض التي وصلت في آخر أيام حكمه إلى ما يقرب من 150 بليون دولار. خلال السنوات العشر التي قضاها الرئيس كارلوس منعم كرئيس للأرجنتين تم (رهن) الوطن لرؤوس الأموال الأجنبية, وكاد يحكم على العملة الوطنية بالإعدام بمشروع التحول إلى الدولار, الذي كان من أوائل دعاته في القارة الأمريكية اللاتينية, لولا انتهاء فترة الرئاسية الثانية وانشغاله بالتآمر للبقاء لفترة ثالثة. وبما أن المؤامرات جزء لا يتجزأ من الوسائل التي يتم استخدامها لتحقيق الهدف, عندما غادر كارلوس منعم قصر الرئاسة الأرجنتيني ترك للرئيس المنتخب الجديد (فرناندو دي لا روا) عدة (قنابل موقوتة), الأولى منها اسمها (الفساد السياسي), بدأت هذه القنبلة في التحرك نحو ساعتها الموقوتة بعد أسابيع قليلة من وصول الرئيس الجديد إلى السلطة, بعد أن طالب بعض أعضاء البرلمان من المعارضة البيرونية التي يرأسها الرئيس السابق كارلوس منعم في طلب (الرشاوى) المعتادة للتصويت لصالح حزب الحكومة حتى يمكن إقرار الميزانية السنوية الجديدة, لكن أمر تلك المطالب غير القانونية خرج إلى العلن ليصم الراشي والمرتشي معا, فكانت النتيجة فضيحة سياسية تضاف إلى أزمات الأرجنتين الداخلية, وتضر بسمعتها الدولية. القنبلة الثانية اسمها (الديون الخارجية), فالبلاد تعصف بها أزمة اقتصادية تقترب من العامين, والخزينة خاوية, وأقساط الديون الخارجية وتكاليف خدماتها وفوائدها المطلوب سدادها خلال العام المقبل 2001 تصل إلى ما يقرب من 30 بليون دولار, ولا أمل في سداد هذا المبلغ مرة واحدة, وإذا أصرت المؤسسات الدائنة على عدم الجدولة يمكن أن يتم إعلان إفلاس الأرجنتين التي كانت يوما مخزن غلال ولحوم العالم وقبلة الباحثين عن الثراء, في هذه الحالة لا تفقد فقط مصداقيتها في الأسواق الدولية, بل تحكم على نفسها بالعزلة في زمن (العولمة الاقتصادية), خاصة أن معظم شركاتها الحكومية معروضة للبيع في تلك الأسواق, وفي هذه الحالة لن تجد من يتقدم لشرائها فتفقد الأرجنتين مصدرا من مصادر التمويل التي كان يمكن أن تساعد الحكومة الجديدة على سد الخروق التي تركتها رئاسة كارلوس منعم في قاع سفينة الوطن. حلول أزمة الأرجنتين الاقتصادية لن تكون لها آثار إيجابية أيا كان اتجاه تلك الحلول, فالشركات الأجنبية ورؤوس الأموال المتحركة طبقا لقواعد زمن العولمة لن تقبل البقاء في البلاد أو المشاركة في أي استثمارات جديدة إلا إذا حصلت على تسهيلات أقلها الإعفاء من الضرائب, التي تعتبر المصدر الرئيسي التي تعمد عليه الحكومة في القيام بالتزاماتها, وهي كثيرة في زمن الأزمات. على الرغم من كل المحاولات التي يبذلها الرئيس فرناندو دي لا روا لجذب رؤوس الأموال الأجنبية واستعداد حكومته لتخفيف الضرائب على هذه الاستثمارات, بل وإعانة المستثمرين على الدخول والخروج بلا عوائق, إلا أن قنابل منعم الموقوتة التي بدأت تنفجر واحدة بعد الأخرى أثارت الرعب في القلوب, لأن رأس المال كما يقولون (جبان), فما بالنا في زمن العولمة, الذي تحول فيه رأس المال إلى الحاكم بأمره, وكل أبواب الدول المتخلفة والمتقدمة مفتوحة أمامه بكل الضمانات. الخوف الآن من انفجار قنبلة (العمالة والعملة) بعد أن اصبح في حكم المؤكد أن ينتهي الأمر بالحكومة الحالية إلى فتح الباب واسعا أمام الشركات لإعادة هيكلة وظائفها مما يعني إلقاء مئات الآلاف من العاملين إلى الشارع وما يمكن أن يسببه ذلك من أزمات اجتماعية, وقبول مطالب البنك الدولي بروشتة جديدة تضغط اكثر على الطبقات الدنيا حتى يمكن ضمان تسديد فواتير الديون المستحقة. كاتب مصري مقيم في أسبانيا