الخامس من سبتمبر سنة ,1981 تاريخ لا يمكن أن يمحى من ذاكرتي الشخصية أو الجامعية, فقد أصدر الرئيس محمد أنور السادات (عليه رحمة الله) قراره التاريخي الشهير بفصل أكثر من ستين أستاذا من أساتذة الجامعة, عقابا، لهم وإذلالا وتخويفا لغيرهم من المتعاطفين مع الأساتذة المفصولين الذي اتهمهم السادات بالعمل على تقويض الوحدة الوطنية. ولم تكن هذه التهمة حقيقية بحال من الأحوال, وإنما كانت مجرد ستار يخفي وراءه السبب الحقيقي الذي يرجع الى معارضة هؤلاء الأساتذة لسياسة السادات في الصلح مع اسرائيل, واندفاعه الى سلام غير عادل تميل كفته لصالح اسرائيل, وكان السادات هو الأحق بتهمة تقويض الوحدة الوطنية, فهو الذي أطلق سراح المتعصبين الدينيين ورعاهم لكي يستخدمهم في ردع التيارات الناصرية والقومية والاشتراكية, ولكنهم جاوزوا الهدف الذي رسمه لهم الى اشاعة مناخ من التعصب المقيت الذي كان مسئولا عن أحداث (الزاوية الحمراء) أو فتنتها, وانتهوا الى الانقلاب على السادات نفسه, فاغتالوه بعد شهر واحد من اصدار قراراته الشهيرة في سبتمبر سنة 1981. وكانت قرارات السادات شاملة كل التيارات التي انتهى الى العداء معها, والتي بدا له أنها تعمل جميعا ضده, وتعارض سياسته الاستسلامية, خصوصا بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد في شهر سبتمبر ,1979 وهي الاتفاقية التي جاءت تتويجا لمحاولات سابقة, وفي سياق لم يخل من الغضب الشعبي الذي أشعلته الأزمات الاقتصادية التي انفجرت في يناير 1977 فيما عرف باسم (ثورة الخبز) في مصر بسبب رفع أسعار المواد الغذائية.. ومن اللافت للانتباه أن زيارة السادات لاسرائيل تمت في شهر نوفمبر من العام نفسه, ممهدة لتوقيع اتفاقية كامب ديفيد في العام اللاحق, الأمر الذي نتج عنه تعليق الجامعة العربية لعضوية مصر في مارس سنة ,1979 كما نتج عنه تصاعد السخط الشعبي الذي كان رد فعل السادات عليه عنيفا في سبتمبر سنة ,1981 فقد قرر التخلص من كل القوى المعارضة له بالقائها في السجون أو فصلها من عملها. هكذا, وجدت نفسي خارج الجامعة, مطرودا, مع أكثر من ستين أستاذا يمثلون التيارات الفكرية والسياسية المختلفة التي أصبح السادات معاديا لها جميعا, وكان العدد الأكبر من المطرودين من جامعة القاهرة, وكان العدد الأكبر بين مطرودي هذه الجامعة من كلية الآداب, بينما كان العدد الأكبر بين هؤلاء من قسم اللغة العربية على وجه التحديد, فقد كنا ستة من قسم اللغة العربية (عبدالمحسن طه بدر (عليه رحمة الله), وعبدالمنعم تليمة, ونصر حامد أبو زيد, وسيد البحراوي, وصبري المتولي, وكاتب هذه السطور) مقابل اثنين من سائر أقسام كلية الآداب (هما حسن حنفي من قسم الفلسفة, وأمينة رشيد من قسم اللغة الفرنسية). وكان المطرودون من أساتذة الجامعة يوازون المطرودين من أجهزة الاعلام والصحافة ومجموعة أخرى من أجهزة الدولة ومؤسساتها. باختصار, كل من اشتم من كلامه أو كتاباته المخالفة لسياسات السادات في تقليص دور مصر القومي مقابل الصلح مع اسرائيل. وقد نتج عن قرارات سبتمبر الساداتية مناخ سياسي مقبض, تزايدت حدة توتره على كل المستويات وفي كل الاتجاهات, وأدى الخوف الذي أشاعته هذه القرارات الى ابتعاد الكثيرين عن الذين شملتهم القرارات بالطرد, حتى لو كان وضعهم أقل سوءا من وضع الذين تلقتهم السجون الساداتية التي فتحت أبوابها لكل رموز التيارات السياسية والفكرية في مصر. وكنت واحدا من الذين لم تنل منهم قرارات الاعتقال, فبقيت في زمرة المغضوب عليهم والمعاقبين بالطرد فحسب, والمحكوم عليهم بالمنع من أي نشاط كتابي, أو نشر أي شيء في أجهزة الدولة الاعلامية. وكان ذلك يعني أن الذين لم يدخلوا السجون الساداتية أصبحوا في حال لا تختلف عن حال زملائهم الذين دخلوا هذه السجون, بل ربما أسوأ, خصوصا بعد أن انصرف عنهم زملاؤهم في العمل تجنبا للمشاكل وإيثارا للسلامة, وفر عنهم الكثير من الأصدقاء فرار السليم من الأجرب, وأظهر لهم الحاسدون والشامتون وصغار النفوس ما كان أقسى من وقع السهام, بل ما كان معه السجن أرحم من البقاء خارجه في الوطن الذي تحول الى سجن كبير. وسرعان ما صدرت قرارات بنقلنا الى وظائف ادارية بعيدة عن الجامعة, فنقلنا مع غيرنا من المثقفين العاملين بأجهزة الاعلام الى مجموعة من الوزارات, بينها وزارة الشئون الاجتماعية ووزارة التعمير وغيرهما من الوزارات, ولم يسند الى أي واحد منا عمل حقيقي, فقد كان المقصود هو التأديب فحسب, وتقليص الراتب الشهري الى الربع, ومن ثم التضييق المادي الذي تصور أولو الأمر الساداتي أنه لابد أن يعلم أمثالنا كيفية الطاعة وحسن السير والسلوك الذي يرضى عنه السادات وبطانته.. ووجدت نفسي منقولا الى وزارة الشئون الاجتماعية مع مجموعة كبيرة من الزملاء. واستدعاني وكيل أول الوزارة لتوزيعي على المكان الذي أستحقه. وكان من نصيبي أن أذهب الى الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية, زميلا للصديق الكبير لطفي الخولي (عليه رحمة الله), وكان في فرنسا التي ظل فيها الى أن أغتيل السادات على أيدي الذين أتى بهم لضرب من تصورهم أعداءه, وكان من زملائي كذلك صديقي عبدالمنعم تليمة الذي كان معارا الى جامعة أوساكا في اليابان منذ سنوات, ولم يكن موجودا في مصر كلها طوال الأحداث التي انتهت بقرارات سبتمبر التي اعتمدت على الشبهة والظن والسمعة السابقة في حالات كثيرة. وترتب على ذلك أنه لم يذهب معي فعليا الى الهيئة العامة للتأمينات والمعاش سوى كاتب من جريدة (الأهرام) وهو الأستاذ خيري عزيز. وكانت معاملته أفضل من معاملتي, فقد قالوا له: لا داعي لحضورك, وسوف يصلك الراتب المقرر أول كل شهر على منزلك أو البنك, ففرح الرجل, وذهب الى منزله منتظرا فتات الراتب. أما أنا فأخبروني, في شئون العاملين, أنني ألحقت بمكتب رئيس مجلس الادارة. ولم أستطع منع نفسي من طرح سؤال ساخر عن طبيعة عملي في مكتب رئيس مجلس ادارة الهيئة العامة للتأمينات والمعاشات, وأنا أستاذ مساعد في قسم اللغة العربية, هل سأتولى تصويب خطابات سيادة رئيس مجلس الادارة؟! أم أتولى دراسة قرارات التأمينات والمعاشات من الناحية الأدبية, بوصفي ناقدا أدبيا؟! ولم أجد جوابا عن أسئلتي سوى نظرة ريبة حادة من المسئول عن شئون العاملين الذي أخبرني في صلف عدواني أنني سأعرف كل شيء عندما أقابل رئيس مجلس الادارة الذي ألحقت بمكتبه. وذهبت الى مكتب رئيس مجلس الادارة الذي أدخلوني اليه على الفور بناء على تعليماته. وكان الرجل مهذبا الى أبعد حد, متعاطفا على نحو لم يستطع أن يخفيه, وحاول مواساتي, مؤكدا أن أمر خروجنا من الجامعة لن يطول, وأن الرئيس سرعان ما يصفح عنا, ولم يتغير موقف الرجل عندما رددت عليه بأننا لسنا متهمين, وأن كل ما فعلناه هو أننا رفضنا ولا نزال نرفض الصلح مع اسرائيل. ولا أعرف هل كانت كلماتي الأخيرة سبب القرار الذي اتخذه الرجل أم لا؟ وهل كان القرار نفسه قراره أم هو قرار مفروض عليه؟ كل ما أذكره أن الرجل ختم اللقاء بإبلاغي بضرورة ذهابي الى (اللواء) المسئول عن الأمن في الهيئة, وأنه سيتولى إبلاغي بالتفاصيل المطلوبة. وخرجت من مكتب الرجل شاكرا له تهذيبه وتعاطفه والقهوة التي أصر على أن أشربها في مكتبه مع سيجارة قدمها لي من علبة أبنوسية جميلة كانت على مكتبه. وذهبت الى (اللواء) مسئول الأمن الذي قابلني بترحاب ظاهري, ودعاني الى قهوة أخرى, كان لابد أن أشربها كارها. وأخبرني أثناء شرب القهوة أنهم لن يتعبوني بأي عمل, فالمطلوب مني هو أن أحضر الى مكتبه كل صباح وأجلس معه لأسعده بمشاركته شرب القهوة. وعبثا حاولت إقناعه بعدم جدوى حضوري الى مكتبه كل صباح مادمت لن أعمل شيئا حقيقيا, وما دام ليس لي عمل أقوم به في هذه الهيئة, وأن زملائي لم يطلب منهم ما يطلبه مني, وأنهم جميعا في منازلهم. وأطلت في محاولة إقناعه التي استخدمت فيها كل الحجج والحيل. ولكنه لم يقتنع بشيء, وظل على صرامة موقفه, فلم أجد مناصا من الاستجابة الى طلبه, وإظهار موافقتي على أن أحضر الى مكتبه كل صباح, وأظهر سعادتي بشرب القهوة مع سيادة (اللواء) الذي أصبح مسئولا عني, والذي كان لزاما عليَّ أن أظل جالسا في مكتبه, متمتعا بصحبته أو رقابته, الى أن يحين موعد الانصراف.