زيارة وزير الدفاع الامريكي كوهين: محاولة ترميم التحالف التركي الاسرائيلي الامريكي ، بقلم عبدالكريم محمد

لم تأت زيارة وزير الدفاع الامريكي وليم كوهين الى منطقة الشرق الاوسط في سياق جولة اعتيادية او تفقدية كما يظن البعض, بل جاءت لتحمل الكثير من الاهداف والمبادىء والاسس التي تقوم عليها السياسة الامريكية ف، ي المنطقة بشكل عام, فبعيدا عن المشكلات التي اعترت المفاوضات السلمية, وبعيدا عن الدور الامني الذي حاول وزير الدفاع الامريكي التذكير به بالنسبة لاسرائيل, جاء هذه المرة ليؤكد ما كان قد اقره من رؤية امريكية سابقة, حاولت تكريس الاسس الاستراتيجية العامة التي اعتمدتها الولايات المتحدة خلال المرحلة المقبلة, ولينقل الى حكومات دولها الخطوط الدقيقة, بعكس الجولة السابقة في نهاية القرن الماضي التي نقل من خلالها الخطوط العريضة وحسب, والتي تقوم عليها هذه الاستراتيجية واطر العلاقات والتحالفات, بما يتناسب مع المستجدات الامنية في منطقة الشرق الاوسط بشكل عام, وعلى ما يبدو ان زيارة وزير الدفاع الامريكي لم تكن معزولة عن تلك الزيارات التي سبقتها, فإذا كانت الزيارة السابقة قد قامت على اساس التأكيد على استمرارية النظرة الامريكية العامة حيال منطقة الخليج والشرق الاوسط, باعتبارها منطقة ذات اهمية حيوية مركزية لسياسة الولايات المتحدة الامريكية ومصالحها الخارجية, لتأتي هذه الزيارة لزيادة الامعان والتأكيد في الوقت نفسه على استمرار تمتع هذه المنطقة بالمرتبة الاولى على سلم الاولويات الاستراتيجية الامريكية على المستوى العالمي, بالاضافة الى تأكيد الالتزامات الامريكية بأمن اسرائيل بالمرتبة الاولى في مواجهة اي اخطار وتهديدات قد تبرز في مواجهتها, على اعتبار ان هذه الاخطار والتهديدات تستهدف المصالح الاستراتيجية الامريكية نفسها, ولعل التذكير بـ 17 مليار دولار المساعدات الامنية الامريكية لاسرائيل هي تعبير حقيقي عن هذه الخلفية التي تحكم الموقف الامريكي الثابت بالنسبة لاسرائيل, رغم تأجيلها حتى عودة المفاوضات الاسرائيلية ـ السورية, والتي جاءت لتقوي موقف رئيس الوزراء الاسرائيلي على المستوى الداخلي وحشد الاجماع السياسي والحزبي في حال تقدم العملية السياسية التي توقفت بعد قمة الاسد ـ كلينتون في جنيف, وما يهمنا في هذا المقام ليس الوقوف عند تخوم الموقف الامريكي المعلن بل ما يهمنا, هو تبيان طبيعة هذه الزيارة واهدافها الحقيقية المتوخاة, فعلى ما يبدو ان الانتكاسة التي مني بها رئيس الولايات المتحدة الامريكي بيل كلينتون في اواخر عهده الرئاسي, اثناء زيارته الى جنوب آسيا والتي هدف من خلالها الى بناء تحالف سياسي ـ امني, يختتم به حياته الرئاسية كإنجاز تاريخي يسجل له على المستوى الشخصي من جهة وللحزب الديمقراطي وهو على ابواب انتخابات الرئاسة الامريكية من جهة اخرى, تكون الهند وباكستان وبنجلاديش أطرافا اساسية فيه, كي تشكل بالاضافة الى التحالف التركي الاسرائيلي قوسا امنيا قادرا على مواجهة اية تغييرات في المنطقة بعموميتها, ولرسم الملامح شبه النهائية في هذا القرن للجغرافية السياسية من خلال رؤية صانعي السياسة العالمية في واشنطن, إلا ان هذا الفشل اعاد للذاكرة الامنية ـ الامريكية ضرورة العودة الى التفكير مجددا لاحياء دور التحالف الاسرائيلي ـ التركي, الذي شهد هو الآخر حالة من الاغفال المتعمد فيما مضى مؤقتا, لفتح المجال أمام احياء العملية السلمية في الشرق الاوسط, بسبب حساسية بعض الاطراف العربية من هذا التحالف وما يحمل من اخطار حقيقية على مستقبلهم السياسي والامني ودورهم الاقليمي, لكن الغريب في الامر ان وزير الدفاع الامريكي كان ومايزال مصرا على افتقاره الى الاساليب الدبلوماسية في التعبير عن آرائه, لذلك جاءت مطالبه هذه المرة والاعلان عنها في تل ابيب لتشكل حالة من التهديد لبعض الدول العربية التي تربطها اتفاقات سلمية مع اسرائيل مثل مصر والاردن, والتي نادى من خلالها بتطوير العلاقة العسكرية مع اسرائيل, كمقدمة لترميم التحالف الاسرائيلي ـ التركي الذي يعاني حالة من الانعزال وعدم التأثير والفعل الحقيقيين في هذه المنطقة, بما في ذلك المجريات الامنية السياسية, انطلاقا من نظرة الولايات المتحدة سواء لتلك الدول التي ترتبط مع الولايات المتحدة بعلاقات صداقة وتحالف, او تلك التي تنظر اليها السياسة الامريكية باعتبارها مصدر خصومة وتهديد لمصالحها في المنطقة مثل العراق وايران, خاصة بعد فشل ما كان يسمى بسياسة الاحتواء المزدوج. بالاضافة الى التأكيد على عملية السلام انطلاقا من الرؤية الامريكية حسب ما جاء في كلامه في تل ابيب, على اعتبارها حجر الزاوية بالنسبة للسياسة الامريكية لهذه المنطقة, وبالتالي يرى ان نجاح هذه العملية امر ليس محبذا وحسب بل موقف امريكي ثابت لمستقبل هذه المنطقة, كونها تصب في الرؤية الامريكية على المستوى الاستراتيجي ايضا, لكن الاهم من هذا وذاك يبرز سؤال مفصلي ومهم, هل حقا ستقدم له الاطراف العربية وخاصة مصر جل ما يصبو اليه في جولته الشرق اوسطية, في رفع مستوى التعاون العسكري مع اسرائيل؟ لاشك ان الاطراف العربية رغم واقع التشتت والفرقة وغياب التنسيق فيما بينها على المستوى العربي, إلا ان الدول العربية خاصة مصر تحمل موروثا على المستويين الوطني والقومي, لا يسمح لها بالانخراط ضمن مشاريع عسكرية مع اسرائيل, وان اي انخراط في هذه المشاريع, هو بالضرورة سيمس بالهوية التي اكتسبتها مصر عبر مئات السنين, وقدم من دماء ابنائها الكثير, وان ما طرحه كوهين في رفع مستوى العلاقة العسكرية المصرية ـ الاسرائيلة سيبقى مجرد افكار او احلام لا يمكن ان تجد لها آليات للتطبيق او للتحقيق عند الطرف المصري, فمصر تعيش حالة صراع صامت مع اسرائيل على كل المستويات, وهذا يبرز بشكل واضح في الصراع على النفوذ الاقليمي حتى في منطقة افريقيا التي تعتبر احدى الدوائر الثلاث المهمة في سياستها الخارجية, واذا ما دخلت هذا الحلف العسكري فستخسر بالضرورة هذا البعد الذي يشكل حجر الزاوية بالنسبة للسياسة المصرية الخارجية. دون ان نغفل الارادة الشعبية والحزبية المصرية التي لا يمكنها التسليم بمثل هكذا تحالف, والذي رغم عدم توفر معلومات عن المواقف الرسمية الداخلية بالنسبة للسياسة المصرية, إلا انها تتطابق برؤيتها مع الرؤية الحزبية والشعبية في هذا الجانب وما مدى الاخطار التي قد تلحقها جراء اتخاذ مثل هكذا خطوة. وان مصر التي وقفت منذ سنوات طويلة رغم الظروف الاقتصادية الصعبة في وجه التطبيع مع اسرائيل لا يمكنها أن تجازف على الاطلاق بمؤسستها العسكرية التي تعتبر رمز سيادتها الوطنية. ناهيك عن الانخراط بهذا المشروع الذي سينقل الصراع آجلا ام عاجلا الى داخل مصر, ومصر بمنأى عن مثل هذه الصراعات التي قد تؤدي الى تفتيت لحمة المجتمع المصري وتركه عرضة للاخطار التي لا تحمد عقباها. وايا تكن الاغراءات التي ستقدم من الطرف الامريكي للاقدام على هذه الخطوة لن تساوي الخسارة التي ستنال من الشخصية المصرية على كل المستويات العربية والافريقية والدولية. ولعلي اجزم القول ان مصر لن تتساوق بالمطلق مع هذه المطالب, لأن رؤيتها المستقبلية لدورها تتجاوز حدود اختزالها في تحالف مع اسرائيل, والذي بالضرورة لن يؤدي إلا الى اضعافها وتطويقها في أحلاف اقل منها شأنا على كل المستويات واقل مما تصبو اليه هي نفسها. اما بالنسبة لدعوة وزير الدفاع الامريكي ويليام كوهين فستبقى مجرد دعوة قد تعوض ما خسره الرئيس الامريكي في زيارته الاخيرة الى جنوب آسبا, ومن حق اي طرف دولي ان يرى وينادي بما يخدم مصالحه, بالمقابل من حق الدول العربية بما في ذلك مصر ان ترى هي الاخرى ما يخدم مصالحها, لكن بالضرورة ليس بتسييد اسرائيل على العرب وتنصيبها بالمركز الاقليمي بالمنطقة على حساب العرب ومستقبل ابنائهم. * كاتب فلسطيني مقيم بدمشق

طباعة Email
تعليقات

تعليقات