نحو استراتيجية اعلامية عربية لنصرة الحق 1-2 ، بقلم: د. أحمد القديدي

اعيش في باريس منذ ثلاثة وعشرين عاما. ربع قرن وأنا مسكون بهاجس نظرة الغرب للعرب وكيف يقيّمون حضارتنا واسلامنا وكيف يتعاملون مع قضايانا. ربع قرن تأملت خلاله ــ اكاديميا ــ بعض اللحظات الفارقة الاساسية من نقاط الاحتكاك والتأزم بين الغرب والعرب, بين حضارة الغرب المسيحي وحضارة العرب الاسلامية, وخاصة عندما خصصت رسالة ماجستير لموضوع: كيف انعكست احداث حرب اكتوبر 73 واستعمال سلاح النفط في الاعلام الغربي؟ ثم عندما خصصت رسالة دكتوراه بجامعة السربون عن كيفية تعامل الاعلام الفرنسي مع الصحوة السياسية للاسلام منذ الثورة الايرانية الى عام 1985. وقد ساعدتني هذه البحوث على قراءة الخطاب الاعلامي الغربي ازاءنا نحن العرب ووصلت الى عدة قناعات نتيجة اجراء دراسة مضمون وترقيم حقائق وتوثيق وقائع, وقد حاولت جهدي ان انزع للموضوعية قدر الامكان وأن اتفهم دوافع السلوكيات الغربية وان افرق بين المجتمعات الاوروبية والمجتمع ــ اكاد اقول ــ المجتمعات الامريكية وأن اخرج بنتائج ميدانية, كنت تقدمت ببعضها الى الامين العام لجامعة الدول العربية السابق الاستاذ الشاذلي القليبي عام 1980 وهو رجل اعلام وثقافة عرف بشعوره العميق بحاجة العرب الى استراتيجية اعلامية. ومنذ تلك السنوات الخوالي وأنا اتابع غياب تلك الاستراتيجية ووصل فقداننا لها خلال شهر اكتوبر الماضي حل المأساة حينما اندلعت ثورة القدس المباركة وامتدت تداعياتها للشوارع وللمؤسسات الرسمية العربية, متجاوزة مجرد الانتفاضة الى تغير جذري في الخارطة السياسية للشرق الاوسط حين التحم شعب فلسطين في نضال واحد مشترك ضد الاحتلال والقهر وحين برزت ضرورة التنسق الاعلامي العربي حتى نغتنم هذه اللحظة التاريخية. نعم لا مناص من الاعتراف بأن تحولا مهما وقع في اغلب اجهزة الاتصال في اوروبا ــ وبنسبة اقل في امريكا ــ لتحليل جذور قضية فلسطين وأصبحنا نرى حنان عشراوي وصائب عريقات ومروان برغوثي وفيصل الحسيني وعزمي بشارة وعبدالوهاب دراوشة والشيخ احمد ياسين وحسن نصرالله وقد جندوا أنفسهم للدفاع عن قضيتهم ونسمع منهم اراء نصرة الحق العربي والاصرار على الصمود والتصدي واصبحنا كذلك نرى الصور الساطعة الدامغة عن القتل وابادة الاطفال وقلع الزيتون وهدم البيوت اصبحنا نسمع ونقرأ اقلاما منصفة مثل قلم روبرت فيسك ووليام فاف وميشال جوبير وفلورا لويس وليندن لاروش تدين جميعها العجرفة الصهيونية وتطالب بمحاكمة مجرمي الحرب الصهاينة وبحماية اممية لشعب اعزل ولكن ما الذي فعلناه نحن العرب اصحاب القضية؟ هل قررنا دعوة هؤلاء الشرفاء في ندوة عربية نسمعهم خلالها ونطلب نصائحهم ونرد بعض جميلهم؟ هل عقدنا العزم ضمن جامعة الدول العربية او... افضل ضمن المنظمات العربية غير الحكومية لرسم معالم استراتيجية اتصالية دولية تساند الحقوق المشروعة؟ هل فكرنا في توجيه بعض فضائياتنا او بعض برامجها لمخاطبة ضمائر العالم باللغة الانجليزية واللغة الفرنسية واللغة الاسبانية والروسية والصينية وحتى العبرية كما يفعل اعداؤنا منذ جيلين؟ هل خصصنا اعتمادات وموازين لابلاغ توافق حقوقنا مع القانون الدولي وضرب العدو بهذا القانون وبتلك الحقوق عرض حائط المبكى؟ ماذا فعلنا؟ الجواب مع الأسف لا شيء.. قمة عربية تمضي وقمة اسلامية مقبلة ونحن نراوح مكاننا قريرو العيون كأن القضية لا تعنينا فالنصر ايها السادة اصحاب القرار رهين استراتيجية اعلامية. وهي مصيرية وهذه اللحظة نادرة قد لا تتاح مرة اخرى. فقد بدأ العالم يفهمنا ويريد ان يسمعنا. ومن المؤسف ان اغلب دوائر القرار في الغرب تعتبرنا امة بلا رأي عام لأننا بدون اعلام حر وبدون قادة رأي وبدون مؤسسات مستقلة. ان القوة والمنعة قد تكونان قوة اعلامية ومنعة اتصالية من خلالهما نقتحم تلك الحصون العالية في اوروبا وأمريكا والتي شوهت بصائرها وسائل اعلام صهيونية وعنصرية ومتطرفة.. كسبت قوتها من ضعفنا وأسست وحدتها على تشرذمنا ولنا عودة للموضوع.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات