الاجتياح الاسرائيلي الكبير للبنان في صيف عام 1982 كان له هدفان: اولا, الدخول بقوة على المسيحيين المارونيين المتمثلين في حزب (الكتائب) تمهيدا لخلق دويلة مسيحية مستقلة تقتطع من ارض لبنان، لتكون حليفا استراتيجيا لاسرائيل, وذلك وفق ما اعلنه قائد القوات الاسرائيلية الغازية الجنرال ارييل شارون. ثانيا, تصفية وجود منظمة التحرير الفلسطينية على الارض اللبنانية بما في ذلك جهازها الاداري وكوادرها القتالية. الرئيس (الجمهوري) رونالد ريجان الذي تولى السلطة مطلع عام 1980 ايد الهدفين بلا تحفظ.. بل وسخر الموارد العسكرية والدبلوماسية للولايات المتحدة للمساعدة في تحقيقهما. ابتداء, الرئيس ريجان مسئول تاريخيا عن اعطاء الحكومة الاسرائيلية ضوءا اخضر مسبقا لتنفيذ خطة الاجتياح. وعندما كان الاجتياح فكرة قبل ان يتم تطويره الى خطة كان رئيس الوزراء الاسرائيلي انذاك مناحيم بيجن يتصيد اي ذريعة, مهما كانت واهية لتبرير الهجوم في أنظار الرأي العام الامريكي اولا والعالمي ثانيا. والذريعة التي (توفرت) كانت واهية فعلا. اجل.. تعرض السفير الاسرائيلي في لندن الى محاولة اغتيال فلسطينية. لكن الجهة التي دبرت المحاولة ونفذتها لم تكن منظمة التحرير الفلسطينية بزعامة عرفات. كانت جماعة ابونضال المعادية للمنظمة والتي كان من بين اجندتها المستديمة اغتيال عرفات نفسه. (وفرت) الذريعة.. وبقى الضوء الاخضر الامريكي. ولم تتردد ادارة ريجان كثيرا. ففي اجتماع سري في واشنطن اعطى وزير الخارجية الكساندر هيج الموافقة الامريكية الى وزير الدفاع الاسرائيلي الجنرال شارون نيابة عن الرئيس ريجان. ومن ثم انفتحت نيران الجحيم على لبنان باسم (عملية سلام الجليل) على الارض ومن الجو ومن البحر. ولمدى ثلاثة شهور والقوات الاسرائيلية تحصد الشعب اللبناني قصفا بالدبابات والطائرات ومدفعية السفن من الساحل.. وتزحف الى ان دخل شارون العاصمة بيروت على ظهر مدرعة لم يصدر عن الرئيس ريجان كلمة ادانة واحدة. الدبلوماسية الامريكية لم تتدخل الا في الحلقة الاخيرة من المسلسل الدامي المتمثلة في اجلاء ياسر عرفات ورفاقه والجهاز الاداري لمنظمة التحرير من لبنان للاستقرار بعيدا في تونس. اما القوات المقاتلة التابعة للمنظمة فقد جرى تشتيتها الى عدد من البلدان العربية الاخرى. كل هذا ما كان ليتم لولا ان واشنطن وضعت كل آلتها الدبلوماسية ونفوذها الدولي على صعيد الأمم المتحدة وخارجها في خدمة العدوان الاسرائيلي. ولم يكتف ريجان بذلك فقد أقحم القوة العسكرية الامريكية للتأثير على موازين الحرب الاهلية داخل لبنان. ارسل قوات (المارينز) الى مسرح الحرب باسم (حفظ السلام) لمساندة قوات (الكتائب) المارونية ضد تحالف القوات الاسلامية وضد الوجود السوري العسكري في لبنان. وكمساعدة اضافية للمارونيين امرت الادارة الامريكية قطع الاسطول السادس الامريكي في البحر الابيض بالتوجه الى السواحل اللبنانية لقصف مواقع تحالف القوات الاسلامية.