ترددت على الولايات المتحدة الامريكية لسنوات طويلة في حقبة التسعينيات الماضية, ليس للدراسة, لكن للسياحة ولأمور عائلية أخرى, ومع ذلك فقد (تورطت) في مشروع دراسة لم يكتمل لأسباب خاصة, ومع ذلك فقد كنت اثناء هذه السنوات اتابع دراسة شقيقي في حقل الهندسة الميدانية, والتي انهاها بنجاح وبدرجة الماجستير من احدى اعرق الجامعات الامريكية, وخلال ترددي على ضفاف الاطلسي غرباً, رصدت بعض تفاصيل حياة ابنائنا الطلاب في الجامعات الامريكية. ان الجهات المختلفة في الدولة والمعنية بأمر البعثات الدراسية للخارج, تجتهد لاتمام امور الابتعاث, فتنهي اجراءات تقديم الاوراق للجامعات والكليات حسب التخصصات التي يختارها الطلاب, متابعة بعد ذلك الموافقات واذونات الالتحاق بفصول اللغة أو فصول الدراسة مباشرة, اضافة لانهاء امور التسكين والارشاد الجامعي وغيرها, ومعروف بالتأكيد ان الاتصال بالجامعات والكليات التي تتوزع على 50 ولاية امريكية ليس بالأمر السهل, خاصة وان عددها يفوق المئات, ويتفاوت في المستوى والعراقة ونوعية الدراسات المطروحة والمزايا المتوفرة والشروط المطلوبة. وحين يبتعث الطالب فعليا الى هناك يفترض ان تكون معظم اجراءاته قد انهيت فعلاً قبل بدء موعد الدراسة هناك بوقت كاف يتيح للطالب فترة مناسبة لشيء من التأقلم مع المحيط الذي سيقضي فيه أهم واخطر سنوات عمره, عمر التكوين الفكري والثقافي والعاطفي, والحق يقال فكثير من الطالبات والطلاب يشتكون من مسألة تأخير اجراءاتهم بينما الدراسة قد انتظمت بالفعل. هذه واحدة, وأما المسألة الأكثر خطورة فهي ما سيواجه الطالب الذي ذهب الى هناك وقد انهيت كل اجراءاته, وليس عليه سوى الانضمام الى صفوف الدراسة مع بقية الطلاب القادمين من كل بقاع الدنيا (خاصة في فصول اللغة), فهذا الطالب يقع منذ اليوم الاول تحت ضغط الاجتهاد والمواظبة المطلوبين منه, وبأن يأخذ الامور على محمل الجد وبأن.. وبأن.. الخ, دون ان ينتبه احد ــ ربما ــ الى أكبر الاخطار التي تواجه هذا الطالب! ان هذا الفتى ذا السابعة عشرة, والذي يخطو نحو الحياة الواسعة لاول مرة خارج حدود اسرته ومجتمعه سيواجه خطراً اكيداً يعرف بــ (الصدمة الحضارية), صدمة مواطن من العالم الثالث , بسيط جدا, يواجه المجتمع الامريكي بكل تقنياته, وتقدمه, وانفتاحه, وثقافته السياسية, والاقتصادية والاخلاقية المتناقضة في العمق مع ما تربى عليه, وفي مواجهة هذه الصدمة ينجح البعض بسهولة, ويجاهد البعض مجتهدا قدر طاقته, ويسقط البعض الآخر وبشكل مأساوي كما تحدث امور اخرى بين الصمود والسقوط تدخل في نطاق اختصاص الجهات المعنية بأمر الابتعاث وهي تتراوح ما بين سوء التخطيط والمتابعة والهدر المالي والبشري! كثيرون ممن ذهبوا مبتعثين لدراسة الهندسة مثلا أو التخصصات الدقيقة الاخرى مما نخطط له ونحتاجه لمجتمعنا, يعود الينا بشهادة مهلهلة من احدى الكليات المتوسطة تفيد بأنه انهى دراسة ما في (البيزنس) بتقدير مقبول! وأحياناً يعود بعضهم بعد سنوات بلا شهادة! كيف حدث ذلك؟ الجواب عند المعنيين بأمر المتابعة. وللحديث صلة..