لم تدخل ألمانيا حلبة الاستعمار إلا في أواخر المرحلة بعد أن كانت إنجلترا وفرنسا وأسبانيا والبرتغال وبلجيكا قد أخذت معظم الكعكة, ومن هنا فألمانيا كانت محرومة تقريباً من مجال استعماري تصدر، إليه مشاكلها وبالذات بعدما ضربت في الحرب العالمية الأولى, ومن هنا كان تركيز المشروع النازي على تفريغ مناطق الجوار من السلاف, وبالفعل تمت إبادة الملايين منهم, بأعداد تفوق اليهود, وقد حدث أن المناطق التي كان النازيون يودون ضمها كانت تضم يهوداً كان لابد من القضاء عليها, كما شهدت أوروبا في تلك الفترة انتشار الأفكار الداروينية الاجتماعية وفلسفة نيتشه التي لاقت ذيوعاً واسعاً بحيث أصبحت شعارات مثل البقاء للأصلح, دليلاً للعمل ومرشداً للتقدم. هذا بالإضافة إلى وضع اليهود ذاته في ألمانيا, حيث كانوا مع منتصف القرن 19 في وضع ونفوذ وشأن (ثلاثة من أهم مستشاري بسمارك من اليهود), وكان منهم كبار التجار وساكنو المدن الكبرى, وبروز مساوئ يهود بولندا المنغلقين وبالذات بعد ضم بولندا إلى ألمانيا, وبعد الحرب العالمية الأولى تحولت ألمانيا إلى مركز للثقافة العبرية نتيجة لهرب عدد من الكتاب اليهود من روسيا. وقد أدى كل ذلك إلى أن أصبح اليهود عنصراً عضوياً غريباً يقف خارج المجتمع, وهنا جاء الدور البارز لفرع المنظمة الصهيونية في ألمانيا والذي ترأسه كورت بلومنفلد في طرح شعارات قومية كانت معاكسة لدعوات الاندماج وروحها. وهكذا هيأت التربة لاستقبال النازية وتطهيرها للغرباء. لكن يجب ألا ننسى أن هناك علاقات وثيقة قامت بين الصهاينة واللاساميين مثل علاقة هيرتزل بفون بليهفي الوزير اللاسامي في حكومة القيصر نيقولا الثاني, وعلاقة جابوتنسكي مع تبلورا القائد الأوكراني الذي نفذ مذابح قتل آلاف من اليهود عام ,1918 وعلاقة بن جوريون مع اليمين الفرنسي المتطرف إبان حرب التحرير الجزائرية وكانوا ضد يهود فرنسا. وربما كان أفظع تلك الأمثلة الترحيب بصعود هتلر إلى السلطة لأنه يشاركهم الاعتقاد بالتفوق العرقي, وبمعارضته لاستيعاب اليهود ضمن العرق (الآري), فهنأوا هتلر بمناسبة انتصاره على العدو المشترك: قوى الليبرالية وقد كتب ذلك الدكتور جواشيم برنز ــ الحاخام الصهيوني ــ نائب رئيس المؤتمر اليهودي العالمي الأسبق, في كتابه (نحن اليهود) (معنى الثورة الألمانية بالنسبة للأمة الألمانية, سيتضح في نهاية الأمر لأولئك الذين أوجدوها وشكلوا صورتها. لكن معناها بالنسبة لنا يجب تحديده فوراً: (فقدت الليبرالية مستقبلها, الشكل الوحيد للحياة السياسية التي ساعدت على اندماج اليهود, قد غرق) وبالإضافة لذلك, قال (نريد استبدال الاندماج بقانون جديد: إعلان الانتماء إلى الأمة اليهودية والعرق اليهودي, الدولة القائمة على مبدأ نقاء الأمة والعرق, لا يمكن أن يحترمها ويجلها إلا اليهودي الذي يعلن انتماء من هذا النوع). هكذا ينكشف لنا من خلال سياق تطور الغرب ومجتمعاته, كيف ساهم اليهود والحركة الصهيونية في ذيوع فكر وممارسة معاداة السامية, وكيف كانوا في مرحلة يعتبرونها طريق الحفاظ على نقاء العرق ووضوح الهوية. ومن هنا أيضاً ساد لدى كثير من الرأي العام ــ وبالذات في الغرب ــ أن معاداة السامية تعني معاداة اليهود, وهذا ليس صحيحاً وليس دقيقاً, حيث أن السامية تعني عند العلماء ثلاثة احتمالات: الانتماء للديانات السامية عند مجموعة من الشعوب التي تنتمي لأصل واحد وتشمل العرب والعبرانيين والفينيقيين والآراميين والبابليين والآشوريين, التي سكنت منذ القدم شبه الجزيرة الكبرى (أراضي سوريا وبين النهرين والعراق من شواطئ المتوسط إلى سفوح جبال إيران وأرمينيا). وإلى هذه الشعوب ينتمي ثلاثة من أصحاب الديانات الكبرى في العالم ــ الديانات الإيجابية التي لم تنشأ على نسق الوثنية القديمة بل تعود في أصولها إلى تعاليم من الوحي الإلهي ــ كما يذكر روبرتسن سميث في (محاضرات في ديانة الساميين). إذن نحن أمام ثلاثة من الأديان الإلهية اعتنقتها شعوب عديدة في أرض الجزيرة العربية, وهكذا نستطيع أن نؤكد أن السامية قد ظلت تلك المنطقة كلها بدياناتها وشعوبها وحضاراتها. و من المعروف أيضاً أن السامية تعود إلى سام بن نوح, وذلك بعدما تم إنزال غضب الرب على الإنسان من ذرية آدم وحواء (قال) الرب أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته (تكوين 5:6 ــ 7), وإثر ذلك قرر الرب أن ينزل بالعالم كارثة الطوفان, عندها كان نوح قد (وجد نعمة في عيني الرب) وأمره قائلاً: (اصنع فلكاً من خشب, وهكذا نجا نوح وبنوه وامرأته ونساء بنيه (تكوين 7:7). أما البشر الجدد الذين عمروا الأرض بعد الطوفان, سلالة نوح (سام ــ حام ــ يافث). ذهب سام واستوطن بلاد العرب وما يليها من أقطار الشرق الأدنى, وحام استوطن أفريقيا, ويافث استوطن أوروبا وآسيا الصغرى ــ ذلك ما أخذ به فلاسفة الشرق. ويتبين من ذلك أن سام خرج من عباءته شعوب سامية متعددة, ويتناول روبرتسن سميث ــ العالم الأشهر ــ في ديانة الساميين ذلك قائلاً: (يميل معظم المفسرين إلى النظر إلى تصنيف المجموعات البشرية ــ كما ورد في الإصحاح العاشر على اعتبار أنه قائم على أسس جغرافية وسياسية لا على أسس عرقية, فالفينيقيون والكنعانيون ــ على سبيل المثال ــ يعتبرون من نسل حام وأبناء عم المصريين, وهو تصنيف أقرب إلى الحقيقة التاريخية, لآن كنعان ظلت لعدة قرون خاضعة لمصر في حقبة سابقة على الغزو العبراني, ومن ثم فقد وقعت الديانة والحضارة الفينيقية تحت التأثير المصري. أما من الناحية العرقية فالكنعانيون أقرب إلى العرب والآشوريين). لذا فلابد لنا أن نتذكر أن الباحثين المحدثين حين يستخدمون مصطلحا ساميا (فإنهم لا يتحدثون باعتبارهم مفسرين للتوراة, بل يقصدون بها أن يجمعوا بين كل الشعوب (العبرانيين والسريان والعرب والآشوريين والفينيقيين). ومن هنا يتبين لنا أن الدليل التاريخي المباشر الذي لا يقبل الشك بالنسبة لأصول الشعوب (يعد أمراً مستحيلاً) كما يقول روبرتسن سميث. أما اللغوي الألماني (شلوتزر) فقد استخدم تعبير الجنس السامي من أجل الدلالة على مجموعة الشعوب التي عاشت في الطرف الغربي من القارة الآسيوية (العرب والبابليين والآشوريين والآراميين والسريان والعبرانيين). كما يعلن العالم الفرنسي هنري فليش (إنه ينبغي ألا يفهم من استعمال كلمة السامية أي شيء أكثر من مجرد اصطلاح لتيسير الأمر على الباحثين دون القصد إلى أية دلالة عنصرية) ويذهب عالم الأنثروبولوجية السويسري يوجين بيتار إلى ما هو أكثر حسماً من ذلك, إذ يقول: (إن اليهود جميعاً بعيدون عن الانتماء إلى عنصر يهودي .. فنحن لا نستطيع أن نعتبر اليهود الآن أعضاء في مجموعة بشرية متحدة العنصر, ولا حتى يهود فلسطين التي جلبت إليها الحركات الصهيونية إسرائيليين بدون أي انتقاء. فاليهود ينتمون إلى طائفة دينية انضمت إليها في جميع العصور أخلاط من أجناس مختلفة). لذلك كان طبيعياً أن يظهر الفلاشا كجزء من الأحباش, واليهود الألمان الذين تتوافر فيهم نفس المميزات العضوية لسائر أبناء الجنس الجرماني, ويهود التاميل من الهند حيث تميل البشرة إلى السمرة الداكنة, وهناك يهود (الخزر) الذين يفترض أنهم من الجنس التركي. ما يهمنا أن نؤكد عليه أن عنصر الجنس عنصر متشعب المستويات مختلط المعالم, مستحيل النقاء. مابالنا والحديث يتناول (الجنس اليهودي). والذي يتأكد اختلاطه بنص التوراة نفسها. وبعد أن استقر العبرانوين في أرض كنعان وامتلاكهم شطراً منها, تغيرت طبيعتهم واختلط عنصرهم ففقدوا جنسيتهم الأولى باندماجهم في عناصر شتى وانضمام غيرهم من الأجناس إليهم ممن اعتنقوا الدين اليهودي خصوصاً في زمن النبي داود والنبي سليمان الحكيم كالحيثيين ــ شعب غير سامي ــ كما تزاوجت عشيرة إبراهيم مع شعوب كنعان, كما تزوج يوسف النبي من (أستات) المصرية (ابنة كاهن اون) وتزوج الملك داود من ابنة ملك جشور الكنعاني, وتزوج الملك برمبام اليهودي من ابنة شيشناق الأول فرعون مصر. الأمثلة كثيرة ومتعددة, وكلها تؤكد على أن سامية الجنس, فكرة أسطورية ليس لها واقع في التاريخ. تبقى إذن سامية اللغة, ومن المعروف أن هناك عائلة كبيرة يطلق عليها اللغات السامية, وعلى رأسها اللغة العربية والأكادية والآشورية والبابلية والآرامية والكنعانية والسريانية والفينيقية والأمهرية والعبرية والحبشية, وهناك لغات أخرى بعضها مات وبعضها ما زال حياً ومواصلاً دوره في تفاهم البشر وتحديد سمات الأمم. تلك هي قصة السامية بدعاواها الثلاث, دين وجنس ولغة. أما إذا جارينا تلك الدعاوى الزائفة, فلا ننسى أن العرب ساميون وكذلك لغتهم. لكن الغريب أن اليهودية والصهيونية قد وظفتا تلك السامية والجنس السامي واللغة بل والدين لصالحهما, حتى وصل لمفهوم الكثيرين التطابق بين معاداة السامية ومعاداة اليهود. وقد ساعد على ذلك فعل اليهود والصهاينة الأيديولوجي والعقيدي والدور الوظيفي لليهود وكذلك رد فعل الغرب تجاه تلك الأفعال وبالذات عندما سادت لديهم أفكار مثل دم المسيح المعلق على رقاب اليهود, وعندما بزغ عصر الدولة ــ القومية المستندة على السمات المميزة لشخصية الوطن ــ الدولة. بعد ذلك لابد من استيضاح تأثير معاداة السامية على اليهود والصهاينة في أجيالهم الحديثة ــ أجيال الدولة ــ بعد أن تكشف لنا أن معاداة السامية في التاريخ اليهودي القديم كانت حافزاً ومحركاً للانتقال إلى حالة صهيونية بعد مرحلة اليهودية العنصرية, وبالتالي فإبطال الجالوت (النفي) لن يتم إلا بالهجرة للوطن فلسطين (إسرائيل) أما الآن فمعاداة السامية تعني تنشئة الأجيال الجديدة وبداخلها الثأر الدائم من الأغيار المعادين للسامية اليهودية!! وبالذات عندما يستند ذلك ما جاء من مفاهيم في التوراة والتلمود حول الأغيار, بالإضافة إلى بعض الوقائع العينية لمعاداة السامية في الغرب وعلى رأسها الهولوكوست, كما أن معاداة السامية تعني الآن لدى دولة اليهود الحصرية امتلاك أداة ابتزاز لحكومات الغرب الذين تورطوا في معاداة السامية وألمانيا وقصة الدعم الهائل (لدولة إسرائيل) مثل على ذلك. بالإضافة إلى امتلاك أداة تشهير هامة توظف في الحملات ضد أي شخص أو حكم أو حزب أو جماعة تفكر ولو للحظة واحدة في رفض هذا الابتزاز, ولعل ما حدث لجارودي خير دليل على ذلك. و أخيراً يستنتج من ذلك أن ذلك المفهوم المحمل بالأيديولوجيا يؤثر كثيراً على عملية صنع القرار الإسرائيلي, حيث أن الأيديولوجيا اليهودية بما تحمله من عنصرية وشمولية بل ومعاداة للإنسانية تقضي بأن اليهودي أعلى شأناً من أي إنسان آخر وأن دولة إسرائيل لا يمكن أن تتنازل عن أي جزء من أرضها لأنها أرض يهودية مقدسة, وهكذا كلما أصبحت إسرائيل أكثر يهودية تزايد تأثير سياساتها بالاعتبارات الأيديولوجية اليهودية, وتكدست معاهدها الدينية ومدارسها الابتدائية بفتاوى الحاخامات ونصوص التوراة والتلمود والشروحات العديدة لهما. وهكذا تحولت عقدة الشعور بالاضطهاد إلى عقيدة اللاسامية عند هرتزل ونوردا حيث اعتبرا هوية اليهودي متوقفة على وجود العداء للسامية, وأصبحت تلك العقيدة جزءاً من نسيج الثقافة السياسية السائدة في التجمع الإسرائيلي الاستيطاني العنصري.