ما هي الدروس المستفادة من نتائج الانتخابات في المرحلة الأولى والمرحلة الثانية؟ الملاحظة الأولى أن أغلب الذين لم يحالفهم التوفيق خصوصا من مرشحي الحزب الوطني, أنهم كانوا يحصلون على أغلبية ساحقة في الانتخابات ، السابقة نتيجة ممارسات غير قانونية وغير أخلاقية, كالضغط على الناخبين من جانب الادارة, والتزوير الصريح في مراكز الاقتراع وتقفيل الصناديق, وكانت انتخابات عام 1995 هي أبرز مثال على هذه الممارسات. والشئ المضحك حقا أن بعض الذين لم يحالفهم التوفيق من قبضايات الحزب الوطني اتهموا الحزب بالتآمر عليهم.. تصوروا. وكأنه أمر طبيعي أن يتدخل الحزب الوطني من أجل فوزهم بأي وسيلة وكل وسيلة. مع أن الحقيقة أن هؤلاء كانوا عالة على الحزب الوطني, وكانوا سببا في إثارة نفور الشارع السياسي من الحزب. وقد كشفت الانتخابات الأخيرة هؤلاء النواب, فعندما رفع الحزب يده عنهم تساقطوا وتكسروا كأوراق الخريف. ولكن مسئولية الحزب تكمن في سوء أسلاكه الموصلة بين القاعدة والقمة وبالعكس, لأنه استبعد الذين فازوا ورشح الذين فشلوا. وهو أمر يفرض اجراء تغييرات واسعة في الحزب وعلى جميع المستويات, خصوصا في القمة وبين القيادات الوسيطة. الملاحظة الثانية هي فوز هذا العدد من المرشحين الذي بلغ 15 نائبا حتى الآن من جماعة الاخوان المسلمين. ومن المنتظر نجاح عدد آخر قد يرفع العدد الى 20 أو الى 25 نائبا, مما يجعل الاخوان المسلمين هم القوة البرلمانية الثانية بعد الحزب الوطني, والسبب في هذا التفوق الاخواني هو الحزب الوطني نفسه, لأنه لا يمارس أي عمل سياسي في الشارع المصري. وأغلب كوادره المتوسطة والصغيرة لا تجيد العمل السياسي وربما لم تمارسه في حياتها, لأن الانسان كما يقولون .. حيوان سياسي, أي أنه يولد من بطن أمه ليعمل بالسياسة, حتى لو فرضت عليه القيود أو أقيمت حوله السدود, ولن يمنعه من الاشتغال بالسياسة, لا النفي ولا السجن ولا حتى حكم الاعدام. بل لعل هذه القيود هي الوقود الذي يؤجج نشاط الانسان السياسي ويحفزه على مواصلة العمل. وهي ميزة ليست متوفرة للحزب الوطني, باعتباره حزب الحكومة.. وغالبا ما يكون الانضمام اليه بحثا عن مكان تحت الشمس, أو للحصول على قضمة أو هبرة من خير الحكومة. مع أن أي حوار مفتوح مع شباب الاخوان المسلمين سيكون لصالح القوى الوطنية. أذكر أننا عندما كنا في سجن المحاريق بالواحات, وأثناء قيامنا بزراعة الصحراء, كان النزلاء يعملون جنبا الى جنب, شيوعيين واخوان, وكان من الطبيعي أن يدور الحوار بين الجميع. وكانت النتيجة أن الشيوعيين نجحوا في تجنيد عشرات من شباب الاخوان, ثم توقف كل شئ بصدور قرار من مرشد الاخوان في منطقة الواحات بعدم اتصال الاخوان بالشيوعيين والكف عن الدخول في أي حوار معهم. ولقد كان من الممكن أن تقوم الأحزاب الأخرى بهذا النشاط.. وخصوصا حزب التجمع والحزب الناصري لولا القيود التي يفرضها قانون الأحزاب على نشاطها, في الوقت الذي تمارس فيه جماعة الاخوان المسلمين نشاطها في الشارع من خلال قنوات متعددة, كالمساجد الأهلية والزوايا والمستوصفات الطبية التي تعالج الناس بأسعار رمزية والبوتيكات التي تبيع بأسعار أقل, الى جانب تنظيمات مسالمة مثل تنظيم التبليغ والدعوة. أذكر أن العبد لله كتب على صفحات (البيان) منذ فترة أنه لو كانت التنظيمات الشيوعية قد اختفت من على ظهر الأرض فالواجب يفرض علينا اختراعها, لأن كل آفة لها آفة تقاومها. وقد حدث خلال اقامتي في بغداد أنني اكتشفت انتشار النمل في الحديقة, فأشار علي أحد الأصدقاء باستخدام الكيروسين للقضاء على النمل, وعملت بالنصيحة فعلا الى أن اكتشف الجيران أن الحديقة سقطت في براثن حشرة أخرى أقل حجما وأكثر نشاطا وخطرها أكبر هي حشرة (الأرضة) وهي حشرة ضارة يمكنها أن تهدم البيت من أساسه في ظرف ستة أشهر. واستعنت بمكتب الصحة بمحافظة بغداد, وسألني الخبير الذي جاء للمعاينة, هل استخدمت الكيروسين في القضاء على النمل؟ وعندما أجبت بالايجاب قال بشكل حاسم.. هذا خطأ.. خطأ, لأن وجود النمل يمنع وجود ( الأرَضة ) ويا سبحان الله, ربك بيسلط أبدان على أبدان, ولكن ترك الساحة خالية أمام تيار واحد هو الخطر الذي يجب أن نحذره ونتلافاه! ولعل من الظواهر الملفتة في هذه الانتخابات هو الأسلوب الذي اتبعه حزب الوفد عندما سمح للبعض بخوض المعركة الانتخابية باسمه, مع أنهم لا علاقة لهم بالوفد من قريب أو بعيد. وبعضهم مارس القفز في خفة الغراب من التنظيم الناصري الى صفوف حزب العمل الى التيار الديني, ثم فوجئ به الناس يخوض المعركة الانتخابية باسم الوفد وتحت لوائه. ولكن يبقى أن أعظم ما افرزته المعركة الانتخابية الحالية هو أن الاداء البرلماني في المرحلة المقبلة سيكون أفضل من كل السنوات الماضية سواء تحت القبة أو في الشارع. لأن كل نائب سيدرك أن مستقبله السياسي مرهون برغبة الناخب وليس برغبة مسئول في حزب أو مسئول في وزارة.. على العموم.. ما جرى في الانتخابات الأخيرة هو أمر يليق بشعب مصر وبرلمان مصر. مبروك للذين حققوا الفوز وباي باي لبعض الذين فشلوا وهاردلك للبعض الآخر, ويبقى الفائز الوحيد من هذه الانتخابات هو شعب مصر!