جاءني سؤال ضمن كثير من الأسئلة, لكنه استوقفني طويلا ومازلت أمامه أفك رموزه ودلالاته, وأبحر في كل الاتجاهات والجهات بحثا عن (فعل) الاجابة, لا عن (كلام) الاجابة, أما السؤال فيقول: أين تجدين المسافة بين نفسك والحرية, وما بينك وبين الأعداء؟ فيا سائلي من أين اخترعت سؤالك, ولماذا الآن والتفاصيل منذ يومين تقول بأن الأيام المقبلة ستكون رحيمة بنا بعد طول ظمأ وجفاف وقيظ؟ من أين جاء سؤالك الذي لم يباغتني, أنا التي قبل أن يأتي هذا السؤال مغلفا ومكتوبا بخط أنيق, كنت أقول لصديقتي فيما يشبه التمني: ما رأيك في أن نسافر؟ وعندما سألتني: لماذا؟ أجبتها: لانني اشتقت إلى الأماكن الرحيمة, والنزهات الحميمة والطرقات التي تذهب بك إلى قلب الحرية بلا حدود ولا نهاية. قالت: السفر حق غير مشروع للفقراء! قلت: بل الحق أن يكون حقهم الوحيد المشروع دون سواهم ممن يلتهمون كل الحقوق دون أي احساس بعسر في الهضم أبدا. ما هي المسافة بيننا وبين الحرية؟ سؤال يحتاج إلى سؤال: عن أية حرية يمكن أن نتحدث في مناخات تمارس الحياة على طريقة الصدقة والهبة والفضيحة أحيانا؟ إن الحرية التي أشتهيها أحيانا تنحصر في الانعتاق من ثقافة الجدران وحصار الاسمنت والزجاج العاكس, إلى حيث رحمة الأماكن ونسغ الحياة في شرايين الناس وأزقة المدن القديمة وحجارة الطرقات العتيقة الباقية منذ قرون, ان الحرية التي أشتهيها ولا أجدها حولي وأفتش عنها ثم أوقن بأن أناسا سرقوها وابتاعوا بها عمارات ومراكز تجارية ومحلات تبيع الغربة وأخرى تكرس الاغتراب, هذه الحرية الثمينة التي سرقت وبيعت, ملأت قلبي بالفراغ وملأت جيوب الآخرين بالملايين.. لهذا أبحث عنها في فضاءات بعيدة يؤمن الناس فيها بنعمة الحرية. في مدن الاسمنت الفارهة والأبراج, ينكسر البصر, فيرتد النظر إلى بؤرة العين, وفي كل لحظة تحدث لعيوننا ملايين الانكسارات بسبب ملايين العوائق التي تحول بين البصر وانطلاق الرؤية حتى نهايتها.. فتعلن العين استسلامها ويخونها البصر فتصاب بقصر النظر! ويبقى من السؤال ذلك الشق المتعلق بالمسافة بيني وبين الأعداء! وهنا أقول لسائلي: ألا تعتقد انه من قصر نظر أهل المدن اصطناع الكثير من الأعداء وصولا للتباهي بنجاحات غير حقيقية؟! أليس ذلك تضييعا لأوقات القمر الجميلة؟ هناك طرقات حرة في السماء والأرض, وأماكن متحررة من لعنة الشواهق والمصدات, حيث لا ضجيج, ولا عنجهية قاتلة, هناك مطر ناعم وسحب تطير من فضاء لآخر, هناك ترحل الشمس إلى مهدها مبكرة وحيث تصحو تختفي خلف السحب استحياء في أغلب الأوقات. هناك ... أقصد به مكانا أحبه كثيرا في بقعة حميمة من مملكة الله.