قد يحار من يقصر تفكيره عن ان يجد لما لا يعود عليه بالنفع الذاتي الشخصي تفسيراً, فالأشياء المادية والمعنوية عنده ليس لها أهمية في الوجود ما لم يكن لها كسب او أثر مباشر عائد على ذاته, من أولئك ذلك السائل عن الشعر، وفائدته وأهمية وجوده والفائدة من التعني في مطالعته وسر المتعة التي يزعمها البعض فيه وما الضرر من عدم العناية به وما دلالة ازدهاره في مجتمع ما او انحطاطه. وهو لا ينظر الى الشعر بهذا المعيار بل الى الاشياء جميعاً فهو لا تعنيه الأزهار مثلاً وعدم وجودها ما دام ليس تاجر ازهار وآنية ورد, وهو لا يعني له وجود البحر شيئاً اذا لم يكن صياد سمك, ولا يعني له عقد اللؤلؤ شيئاً ما لم يكن جواهرياً, ولا يعني له الكتاب شيئاً ما لم يكن بائع كتب, اما الشعر فنظرته اليه على الأخص نظرة ساذجة لا تحمل المعاني غير أن الشعر كلام فارغ. ان مثل ذلك قد لا يدرك ان وجود الشعر في أمته له معان جليلة تذهب بذهاب الشعر وتسيطر وتسود بسيادته على ساحة المجتمع. ان الشعر في وجهة نظر خاصة مقدمة ونتيجة او هو مقدمة حيناً ونتيجة حيناً آخر. ان الشعر مقدمة تقول للمجتمع بغير مباشرة افعل ولا تفعل, هذا جميل وهذا قبيح, هذا سمو وهذا انحطاط, فالشعراء بذلك هم قادة غير متوجين للمجتمع اذا صلحت اقوالهم واشعارهم اثروا في صلاح من حولهم وان تسافلوا تسافل من حولهم, فهم ادوات بناء وهدم, وهذا أمر غير مبالغ فيه وزعم ليس موهوم بل زعم تدلل عليه صفات المجتمعات التي نعايشها, فالمجتمعات الراقية المهذبة هي المجتمعات التي يسودها اصحاب العقول والمواهب الراقية الهادفة الى الجمال والحق والخير, ومن اولئك الشعراء أصحاب العقول المتقدة والمواهب الفذة. أما المجتمعات التي يسيطر عليها الرعاع واصحاب الامزجة المنحرفة والمواهب الهادمة فهي بالنتيجة مجتمعات يسودها الانحراف بشتى انواعه وان برزت وتقدمت في بعض نواحي الحياة المادية. والشعر نتيجة ايضاً فهو أدب الناس وخلاصة تجاربهم, فالتجارب الراقية محمودة العقبى, وهل اجمل من ان يكون الشعر الجميل عاقبة حميدة لتجارب المجتمعات المحمودة ولفضائلها الراقية ولحرصها المستميت الدؤوب على اخلاقها ومبادئها, واظهر ما يكون ذلك عند العرب القدامى في حرصهم الظاهر في اشعارهم على طائفة من الأخلاق السامية التي لا تكمل بغيرها الرجولة ولا تستقيم للرجل مكانته بين اهل زمانه, ومن تلك الاخلاق اشهرها وهو الكرم وهو سمة العربي ــ عربي الجزيرة أعني. وللعربي في الفخر بتلك الشيمة العربية الكريمة أشعار لا تحصى ومن الجميل الجميل ان يجتمع للرجل سمات حميدة في ذاته يفخر بها بشعر خالد جميل, وان من اولئك الكريم العربي حاتم الطائي ذلك الكريم الشجاع العفيف المحب لوطنه, وان له مع كرمه من حكمة الشعر ما لم يكن لغيره, من ذلك قوله ذاماً ان يتبع الانسان نفسه شهوتي البطن والفرج فقال: وانك مهما تعط بطنك سؤله وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا وإن من أبلغ قصائد حاتم الطائي قصيدته التي فيها الحنين الى الوطن من قوله: حننت الى الأجيال, أجيال طيء وحنت قلوصي ان رأت سوط أحمرا وفيها الى ذلك الحنين فخر بكرم لا مثيل له. وإني ليغشى ابعد الحي جفنتي اذا ورق الطلح الطوال تحسرا وفيها شجاعته النادرة التي تظهر جلية والحرب والموت تدور دوائره, في قوله: وإني اذا ما الموت لم يك دونه قدى الشبر احمي الأنف أن أتأخرا أما أجمع قصائد حاتم الطائي لأخلاق العرب المحمودة فهي قصيدته التراثية الشهيرة والتي مطلعها: أماوي قد طال التجنب والهجر وقد عذرتني من طلابكم العذر تلك الرائعة التي فيها كرمه وصدقه مع سائليه وايمانه بنهايته التي هي نهاية كل انسان التي لا ينفعه عندها ثراؤه ولا يضره عندها من كثر عطاؤه وكرمه فقره, وفيها احسانه الى اقربائه وبني عمه, وفيها حقيقة أدركها الطائي وهي ان الانسان لا يرفعه غناه على أقرانه في نسبه ولا يحطه فقره, وفيها خصلة هي من مكارم أخلاق العرب وهي حفظ محارم الجيران فهو غاض بصره عن محارم جاره جاعل في سمعه وقراً وصمماً عن أن يسمع حديثهم وفي كل ذلك قال: أماوي ان المال غاد ورائح ويبقى من المال الأحاديث والذكر أماوي ما يغني الثراء عن الفتى اذا حشرجت نفس وضاق بها الصدر ولا أظلم ابن العم ان كان اخوتي شهودا وقد اودى باخوته الدهر فماذا دنا بأواً على ذي قرابة غنانا ولا أزري بأحسابنا الفقر وما ضر جاراً يا ابنة القوم فاعلمي يحاروني ألا يكون له ستر بعيني عن جارات قومي غفلة وفي السمع مني عن حديثهم وقر وإن في أشعار العرب من تلك الأخلاق ما تضيق به الأسفار, وهكذا هو الشعر شاهد على أخلاق مجتمعه او جاعلاً من محاسن الأخلاق فيهم منارات هدى. وما تلك الاخلاق الا احدى مهام الشعر الأصيل الجميل البليغ اما ما عداه فسخافات, والزمان كفيل بالذهاب بها ولا يمكث في الارض الا ما ينفع الناس.