مفاوضات الوقت الضائع ، بقلم: جلال عارف

هل تتكرر المأساة, ويتم إجهاض انتفاضة الأقصى كما تم إجهاض الانتفاضة السابقة في سراديب (أوسلو) التى كان اتفاقها هو الثمرة المرة لتضحيات الفلسطينيين في انتفاضتهم والختام السيئ لسنوات طويلة من النضال قبل النكبة.. وحتى تحولت المقاومة ببركة أوسلو إلى ارهاب؟! هل تتكرر المأساة, وتذهب دماء شهداء الانتفاضة سدى, وتصبح غاية المراد أن تعود الأوضاع الى ما كانت عليه قبل 28 سبتمبر.. يوم اندلاع الانتفاضة المباركة, وكأن ما كان قبل هذا اليوم هو غاية المراد من رب العباد! وكأن الشعب الفلسطينى كان يسير حقيقة نحو تحقيق أهدافه لولا ذلك الحادث المؤسف الذى وقع حين اقتحم شارون المسجد الأقصى فأثار المشاعر وتفجر بركان الغضب؟ هل تتكرر المأساة.. أم أن شعبنا العربى في فلسطين قد استوعب درس الانتفاضة الأولى واكتوى بنار التسوية البشعة التى بدأت في أوسلو, وانتهت بقنابل الدبابات والطائرات والمدافع الاسرائيلية وهى تحصد الأطفال الفلسطينيين, ومع ذلك فلا يريد أحد أن يستخرج لها شهادة الوفاة لأن كل الأطراف تجد فيها مخرجا من مواجهة الحقيقة. إسرائيل تريد مواصلة المفاوضات العبثية تحت إطار اتفاقيات أوسلو التى أعطت للكيان الصهيونى كل مايتمناه.. الوقت لينشر المستعمرات في قلب الضفة وينهي ضم القدس العربية, والإقرار الرسمى الفلسطينى بأن المقاومة الوطنية عمل غير مشروع, وتحويل القيادة الفلسطينية إلى إدارة لحفظ الأمن.. الاسرائيلى, وتحويل الأرض العربية من أرض محتلة الى أرض متنازع عليها. وأمريكا تريد مواصلة الطريق الذى بدأ في أوسلو, لأنه يحقق مصالح اسرائيل, ويضمن لأمريكا الانفراد بالاشراف على التفاوض.. ويمكنها من فرض الخريطة الجديدة للمنطقة, ويؤكد هيمنتها على المنطقة, ويمنحها الفرصة لضمان مصالحها البترولية والعسكرية والاقتصادية في المنطقة. والسلطة الفلسطينية التى سارت في طريق أوسلو, وجدت نفسها في منتصف الطريق وقد فقدت معظم الخيارات.. فالسلاح قد تم الغاؤه قبل الأوان, والوعود الأمريكية بتسوية معقولة تتبخر, والغطرسة الاسرائيلية تزداد بعد أن حصل الكيان الصهيونى من القيادة الفلسطينية على كل مايريد, واحتفظ في نفس الوقت بكل مايريد من أرض مغتصبة وقدس أسيرة, وتصل الوقاحة الاسرائيلية الأمريكية مداها في كامب ديفيد حين تخلع ورقة التوت التى كانت تخفي عورة الحلول المقدمة, وتتحول العملية من بحث عن تسوية مقبولة (حتى ولو كانت غير عادلة) الى عملية إذلال كاملة للطرف الفلسطينى لكى يسلم بكل المطالب الاسرائيلية بلا قيد أو شرط. وتندلع الانتفاضة في وقتها, وتنفجر براكين الغضب في الشارع العربى والاسلامى مع الوحشية الاسرائيلية في التعامل معها, ومع تساقط آلاف الشهداء والجرحى في مذابح تخجل منها النازية, وتتلاحق الأحداث ويأتى كلينتون الى المنطقة وينعقد مؤتمر شرم الشيخ ثم قمة القاهرة الى أن يصل عرفات وبيريز الى اتفاق غزة لوقف العنف!! تمهيدا لاستئناف المفاوضات. وعلى الفور تتقدم واشنطن للعمل المطلوب, وتدعو عرفات وباراك الى لقاءات منفصلة مع كلينتون. وتتم الاستجابة, وعرفات الآن يستعد للقاء كلينتون وبعده باراك في مهمة أشبه باللعب في الوقت الضائع. فالرئيس كلينتون أصبح رئيسا سابقا, والأطراف الثلاثة تدرك أنه لن يقدم جديدا, والموقف الأمريكى تحدد على اعتبار ما تم طرحه في كامب ديفيد هو غاية الكرم الاسرائيلى وعلى عرفات أن يقبل أو يتحمل المسئولية, ثم تأكد هذا الموقف بعد الانتفاضة حيث حملت واشنطن الفلسطينيين المسئولية, ورفضت إدانة المذابح الاسرائيلية, وركزت كل جهودها على اعادة الأوضاع الى ما كانت عليه قبل الانتفاضة. لماذا إذا يذهب عرفات وباراك الى واشنطن.. ولماذا هذا الاهتمام من الرئيس الأمريكى السابق وهل هناك من جديد؟! بالنسبة لكلينتون أعتقد أن الوقت قد فات لتحقيق حلمه بأن يخرج من البيت الأبيض وهو بطل للسلام في الشرق الأوسط, بدلا من أن تطارده الفضائح التى تغطى على انجازاته الكثيرة في الميادين الداخلية. فات الوقت وضاعت الفرصة, ولكنه لا يستطيع أن يترك برميل البارود مشتعلا بالقرب من مصالحه البترولية وغير البترولية في المنطقة. والإدارة الأمريكية رغم وقاحتها في ممارسة الضغوط على الاطراف العربية تعرف أن بركان الغضب في الشارع العربى لا يحمل إسرائيل وحدها المسئولية عما يحدث للشعب الفلسطينى, وإنما أمريكا أيضا وأولا هى التى تتحمل المسئولية بدعمها اللامحدود للكيان الصهيونى حتى وهو يدوس القانون ويحتقر المؤسسات الدولية ويمارس وحشيته في التعامل مع الشعب الفلسطينى. تدرك الإدارة الأمريكية أن بركان الغضب العربى والإسلامى يهدد مصالحها, وأن استمرار المذابح الاسرائيلية سيفجر الاوضاع في المنطقة, وسيضع الأنظمة العربية في موقف بالغ الحرج, وأن الاعتدال الذى سيطر على القمة العربية لن يستطيع الصمود في وجه الضغوط الشعبية إذا استمرت مأساة الشعب الفلسطينى الذى يواجه إبادة حقيقية . وتدرك الإدارة الأمريكية أن الهوس الصهيونى يمكن أن يقود اسرائيل الى عدوان جديد على سوريا أو لبنان يفجر المنطقة كلها. وتدرك أيضا أن استمرار الوضع الحالى في فلسطين لفترة أطول سينسف نهائيا أى احتمالات لمواصلة السير في الطريق الذى بدأ في أوسلو, وسيقود القضية الفلسطينية الى بداية جديدة تنهى انفراد أمريكا بالحل, وتجبر العالم على اقرار الشرعية الدولية إنقاذا للموقف في هذه المنطقة الخطيرة. وتدرك الإدارة الأمريكية خطورة هذه الفترة التى تنتقل فيها السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية الى الرئيس الجديد, وتصاب الإدارة القديمة بالشلل, ويلعب الرئيس السابق في الوقت الضائع, وتخشى أن تفلت الأوضاع في المنطقة في هذه الفترة خاصة مع تصاعد النزعة العدوانية في اسرائيل. وتريد أمريكا أن تشترى الوقت حتى تتسلم الادارة الجديدة الملفات الساخنة. وأظن أن ما تم تسريبه للصحف الإسرائيلية عن (خشية!!) إسرائيل من استعداد الدول العربية للحرب في هذه الفترة والتركيز على مصر بالذات يفتح العيون على ما قد تكون الإدارة الحربية الإسرائيلية بصدد تدبيره, ومايدفع الإدارة الأمريكية للعب في الوقت الضائع.. ليس بحثا عن حل, وإنما للبحث عن هدنة من ناحية, وتأكيد الانفراد الأمريكى بالاشراف على المباحثات من ناحية أخرى. أما باراك الذى يتقرر مصير حكومته بعد أسابيع, فهو يريد أن يبعد صورته كسفاح قاتل ليعود الى المدح كباحث عن السلام.. وأمريكا.. وخاصة في هذه الأسابيع الانتخابية الحاسمة توفر له ذلك. فهى من ناحية تحمل الفلسطينيين مسئولية المذبحة التى تحدث لهم, وهى من ناحية تتمسك بأن باراك رجل سلام قدم في كامب ديفيد أقصى ما يمكن من تنازلات. وباراك يعرف انه عندما يقابل الرئيس السابق كلينتون فهو يضمن دعمه بلا حدود, ويضمن دعم الادارة الأمريكية والكونجرس, وسيعود من هناك ومعه شهادة جديدة بأنه رجل سلام, وصك براءة عن المجازر الاسرائيلية في حق الشعب الفلسطينى وسيعطى لأمريكا الوقت الذى تريده ويطالب بالثمن من الإدارة المقبلة . والمشكلة الحقيقية هى مع الرئيس الفلسطينى. فعرفات يذهب ووراؤه شارع فلسطينى غاضب وثائر على نتائج سنوات من السير في طريق أوسلو تحت الرعاية الأمريكية لم تؤد الى شيء حقيقى واضطرته في النهاية الى اشعال الانتفاضة التى يتآمر الكثيرون الآن على وأدها. وعرفات يذهب الى أمريكا وهو يعرف أن كل ماسيطرح عليه هو استئناف المفاوضات تحت الرعاية الأمريكية وفي اطار أوسلو, مع تحميله مسئولية ماحدث, فهو الذى رفض ما عرض عليه في كامب ديفيد, وهو الذى وضع الأطفال الفلسطينيين في وجه الدبابات الاسرائيلية من أجل الدعاية التلفزيونية حين يضطر الجنود الاسرائيليون الغلابة الى قتلهم بالرصاص الحى وقلوبهم تتمزق اسى ولوعة لأنهم يقتلون الأطفال دفاعا عن النفس!! وعرفات يذهب وهو يعلم أنه مطالب بإنهاء الانتفاضة بكل مظاهرها, والعودة للمفاوضات بكل مساوئها, واستكمال مسيرة أوسلو بكل خطاياها, والتسليم بحكمة الموقف الأمريكى المنحاز لاسرائيل دون قيد أو شرط. ومع ذلك يذهب عرفات, وسيعود بلا شيء إلا ثواب الزيارة للبيت الأبيض! سيذهب لأن مسيرة أوسلو أفقدته باقى الأوراق فلم يبق أمامه الا انتظار (الفرج) الأمريكى الذى لم يأت ولن يأتى إلا في صورة اتفاقات مجحفة بكل الحقوق الفلسطينية. وسيذهب عرفات وهو يحمل معه نتائج الادارة السياسية لانتفاضة الشعب الفلسطينى. تلك الادارة التى وضعت هدفا لها هو (تحسين شروط التفاوض) فكانت النتيجة هذا التضارب الذى لا نخشى منه على مسيرة الانتفاضة فقط, بل على الوحدة الوطنية الفلسطينية التى حققتها الانتفاضة في أعظم صورها والتى ينبغى أن تستمر مهما كانت الظروف لأنها السلاح الأساسى للشعب الفلسطينى في الظروف الصعبة التى يمر بها, وفي ظل المساعى المحمومة لإجهاض الانتفاضة. (تحسين شروط التفاوض) يعنى السير في نفس الطريق, والرضا بالسقف الذى تحدد من خلال عملية أوسلو, ويؤدى في النهاية الى القبول بالحل الإسرائيلى الأمريكى المطروح مع بعض التحسينات المطلوبة لتمريره. ولا يمكن أن يكون هذا هو الهدف الذى يسعى اليه الشعب الفلسطينى من خلال نضاله الطويل وانتفاضته البطولية. المطلوب الآن هو اقرار الجميع (وأولهم السلطة الفلسطينية نفسها) بأن عملية السلام بصورتها التى سارت عليها منذ أوسلو وحتى الآن.. قد انتهت, وأن كل مفاوضات تجرى في اطارها هى مضيعة للوقت. وأنه لا بديل من العودة للشرعية الدولية وانهاء هذا الوضع المزرى الذى تنفرد فيه أمريكا واسرائيل بكل طرف عربى لتملي عليه شروط ((السلام) الاسرائيلى. المطلوب اعلان شجاع يعلن أن كل التنازلات التى قدمها الطرف الفلسطينى لم تؤد الى شيء بسبب الاصرار الإسرائيلى على فرض الاستسلام الكامل على الفلسطينيين ودعم أمريكا لهذا الاتجاه, وبسبب التهرب الاسرائيلى من تنفيذ أى التزامات تتعهد بها, وبسبب الغطرسة الوقحة التى تتصور أن هناك عربيا يستطيع أن يضع توقيعه على اتفاق يعطى للإسرائيليين السيادة على المسجد الأقصى, ويرضى بضياع القدس, ويتنازل عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى. المطلوب إعلان رسمى يضع الجميع امام مسئولياتهم.. العرب, وأمريكا, والعالم كله, بالتأكيد على أن الانتفاضة ستتحول الى مقاومة, وأن المقاومة سوف تستمر الى أن يتم الاقرار بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطينى, وبأن يكون التفاوض على قواعد جديدة, بحيث يكون الهدف منها هو تطبيق القرارات الدولية وفي مقدمتها القراران 424 و 338 اللذان يفرضان انهاء الاحتلال الاسرائيلى لكل الأرض العربية المحتلة عام 67 بما فيها القدس, واعطاء الشعب الفلسطينى حقه في اقامة دولته, وضمان عودة اللاجئين لوطنهم. بهذا وحده يتحقق هدف الانتفاضة, ولا تذهب دماء الشهداء سدى. وبهذا وحده تستفيد المقاومة الوطنية وجودها وفعاليتها, وبهذا وحده يتوحد الشارع العربى خلف شعبنا العربى في فلسطين حتى ينال حقوقه. وبهذا وحده لا تجد الحكومات العربية والاسلامية سبيلا للهروب من التزاماتها. وبهذا وحده تصبح المقاطعة الشاملة للعدو الاسرائيلى فرض عين على كل عربى ومسلم. وبهذا وحده تدرك أمريكا أن مصالحها في خطر اذا لم تلتزم بالشرعية الدولية وتطبق قراراتها. وبهذا وحده يدرك العالم اننا لسنا أمة من الأموات.. تتسول سلام الجبناء, وتفاوض من أجل التفاوض, وتبيع دماء الشهداء بلا ثمن. و.. ليست هذه الدعوة للحرب ولكنها دعوة للسلام. فأعدى اعداء السلام هم الذين يتصورون أن غطرسة القوة يمكن أن تفرض ماتريد, وهم الذين يتصورون أن الحل الذليل يمكن أن يدوم, وهم الذين يتصورون أن الاستسلام لشروط العدو يمكن أن يؤمن السلامة أو يحفظ الحكم أو يحقق الاستقرار. إننا ندرك أن معركة السلام صعبة, ولكننا قادرون على كسبها بالمقاومة المشروعة والتفاوض من موقع القوة, والاصرار على أن السلام العادل والشامل وحده هو القادر على البقاء, والايمان بأن الشهداء لم يسقطوا من أجل تحسين شروط التفاوض بل من أجل انهاء الاحتلال بتحرير الأرض واستعادة الحقوق. وسيذهب الرئيس عرفات الى واشنطن وبعده باراك. وسيكسب الرئيس (السابق) كلينتون الوقت الذى يريده لأمريكا, وسيعود باراك وقد حصل على شهادة البراءة الأمريكية من جرائمه, أما عرفات فسيعود كما ذهب ليواجه سؤال الانتفاضة الذى لن يسكت: هل آن الأوان لإطلاق رصاصة الرحمة على مسيرة فاشلة وترجمة الانتفاضة الى فعل سياسى ناضج وفاع؟ أم أن ما بدأ في أوسلو لن توقفه حتى دماء الشهداء؟

طباعة Email
تعليقات

تعليقات